فكثير من النصوص الشرعية, قد تكون نزلت أو حكمت في شأن معين ومسألة محددة, ولكن بمزيد من النظر والتدبر في صيغها العامة, وفي دلالاتها المفردة, أو دلالاتها المركبة, الناشئة عن ربطها وضمها مع غيرها من النصوص, ينقدح فيها معنى جديد وحكم جديد, لم يسبق استنباطه والتصريح به من قبل. وهكذا يستطيع الناظر المتدبر لنصوص القرآن والسنة, أن يستبين كثيرا من المعاني والأحكام الخفية, التي قد يظن أنها لا وجود لها في النصوص.
وعلى هذا الأساس, ظل الفقهاء على مر العصور, يستنبطون من القرآن والسنة أحكاما جديدة لما يستجد من أحوالهم ونوازلهم.
فمن ذلك ما استنبطه علي بن أبي طالب رضي الله عنه, في شأن شرب الخمر, بعد أن اتسع واستشرى في بعض الأقاليم."قال الزهرى: أخبرنى حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبى قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر رضي الله عنه, فأتيته ومعه عثمان بن عفان / 3 وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما, وعلي / 3 وطلحة / 3 والزبير رضي الله عنهم, وهم معه متكئون في المسجد. فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه, فقال عمر رضي الله عنه: هم هؤلاء عندك فسلهم [1] . فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى, وإذا هذى افترى, وعلى المفترى ثمانون. قال فقال عمر رضي الله عنه: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد رضي الله عنه ثمانين, وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين" [2] .
ومعلوم أن هذا الاستنباط مأخوذ من قوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقصد كبار الصحابة الجالسين معه.
[2] رواه الحاكم في المستدرك 4/ 375؛ والدار قطني 3/ 157 (223) ؛ والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 320؛ ورواه عبد الرزاق في مصنفه مختصرًا 7/ 378 (13542) . وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.