وذلك لأن الأصل في الإنسان الجهل, والعلم طارئ عليه؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] , فإذا كان هذا شأن الإنسان, فلا يكون جهله أبدا سببا للعلم.
ولذا قيل: لا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء مدلوله [1] , وإنما لم ينهض انتفاء الدليل حُجَّةً على انتفاء المدلول؛ لكون انتفاء الدليل غايته عدم الوجدان, وعدم الوجدان لا يكون دليلا على عدم الوجود.
ونشير إلى أن مجال عمل هذه القاعدة مختص بالأمور الوضعية الاعتبارية, ومنها علوم الشريعة. أما الأمور العقلية, فإن عدم العلم فيها قد يكون دليلا صالحا وحجة على نفي غير المعلوم, وذلك في مجال البحث العقلي, خاصَّةً فيما كان مجال بحثه متعلقا بالمتقابلات المحصورة, كالنقيضين, فإن المتكلمين كثيرا ما يقولون: ما لا دليل عليه يجب نفيه [2] . .
1 -أن العدم لا يَصِحُّ أن يَكُونَ دليلا؛ إِذِ الدليل لا بد له أن يتعلق بالمدلول, والعدم لا يتعلق بشيء على أية حال [3] .
2 -أن كون الدليل دليلا وغناءه في الدَّلالة على مدلوله لا يتوقف على علم العالم به, بل الدليل في نفسه كاف في الدلالة على مدلوله,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المحصول 4/ 196؛ إجابة السائل للصنعاني ص 186.
[2] انظر: المواقف لعضد الدين الإيجي 1/ 186 ط دار الجيل؛ فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت لعبد العلي الأنصاري اللكنوي 2/ 393، وانظر: نقد هذه القاعدة عند المتكلمين في: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص 142 دار الكتب العلمية.
[3] انظر: الغنية في الكلام لأبي القاسم الأنصاري النيسابوري ل 61 ب.