فهرس الكتاب

الصفحة 1880 من 19081

يعتبر هذه الأسباب كافية لتسويغ التخفيف والترخص, قال الطبري في تفسير هذه الآية:"وقوله: {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة -81] , يقول تعالى ذكره: وكره هؤلاء المخلفون أن يغزُوا الكفار بأموالهم وأنفسهم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ, يعني: في دين الله الذي شرعه لعباده لينصروه, ميلًا إلى الدعة والخفض, وإيثارًا للراحة على التعب والمشقة, وشحًّا بالمال أن ينفقوه في طاعة الله. وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى هذه الغزوة, وهي غزوة تبوك, في حرّ شديدٍ, فقال المنافقون بعضهم لبعض:"لا تنفروا في الحر", فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل) لهم, يا محمد {نَارُ جَهَنَّمَ} التي أعدّها الله لمن خالف أمره وعصى رسوله {أَشَدُّ حَرًّا} , من هذا الحرّ الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه. يقول: الذي هو أشد حرًا, أحرى أن يُحذر ويُتَّقى من الذي هو أقلهما أذًى {لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} , يقول: لو كان هؤلاء المنافقون يفقهون عن الله وعظَه, ويتدبَّرون آي كتابه, ولكنهم لا يفقهون عن الله, فهم يحذرون من الحرّ أقله مكروهًا وأخفَّه أذًى, ويواقعون أشدَّه مكروهًا وأعظمه على من يصلاه بلاءً." [1]

وبهذا فإن القرآن قد قرر أن مجرد مخالفة التكليف للهوى لا يعتبر سببًا لفتح أبواب الرخص والتخفيف على المكلفين , إذ لا بدّ أن يتحقق في المشقة قيودها وضوابطها الشرعية حتى تكون صحيحة ومعتبرة [2] .

ثانيا: من المعقول:

أن اعتماد الهوى معيارا للحكم على الأفعال بالمشقة سيجعل كل التكاليف التي فيها مصادمة لهوى الإنسان شاقة, وهذا يعني إسقاط جميع التكاليف الشرعية لأنها لا تخلو من مخالفة هوى النفس ومضادة مطالبها, وهذا باطل فما أدى إليه يكون باطلًا مثله, وهذا ما أشار إليه الشاطبي بقوله:"واتباع الهوى ضد اتباع"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جامع البيان للطبري 14/ 400.

[2] انظر قاعدة:"مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها البتة"في قسم القواعد المقاصدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت