هذه القاعدة تفرد الشاطبي فيما نعلم بتقريرها وتأصيلها, ولو أنه قد استفاد معناها وبعض تطبيقاتها من علماء سابقين عليه, ذَكَرهم وأحال عليهم, وخاصة منهم الغزالي / 3 وابن العربي [1] . فتعويلنا في بيان القاعدة وفي تطبيقاتها, يكاد ينحصر في أجزاء الموافقات للشاطبي.
وموضوع القاعدة هو: أن الإنسان في سعيه لتحصيل مصالحه وما أبيح له, قد تعترض طريقَه مفاسدُ ومخالفاتٌ شرعية لا مفر له منها إلا أن يترك ذلك العمل. فهل تبطل مشروعية سعيه إلى هذه المصالح بسبب تلك المفاسد المعترضة؟ أو أن هذه العوارض غير المشروعة لا تسقط حق الإقدام على المصالح المشروعة؟
وجواب الشاطبي إجمالاـ هو جواز الإقدام والتحصيل, وأن المفاسد العارضة لا تمنع من ذلك, لكنْ تُتَّقَى وتجتنب بقدر الاستطاعة.
وقد تطرق الشاطبي إلى هذه القاعدة وعالجها في سياقات مختلفة ومواضع متعددة, من كتابه (الموافقات) , ننقل ونلخص من ذلك:
1_ قوله:"القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر, كالبيع والشراء والمخالطة والمساكنة إذا كثر الفساد في الأرض, واشتهرت المناكر, بحيث صار المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله, لا يسلم في الغالب من لقاء المنكر أو ملابسته, فالظاهر يقتضي الكفَّ عن كل ما يؤديه إلى هذا, ولكن الحق يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته, ... لأنه إن فُرض الكف عن ذلك, أدى إلى التضييق والحرج أو تكليف ما لا يطاق. وذلك مرفوع عن هذه الأمة. فلا بد للإنسان من ذلك, لكن مع الكف عما يستطاع الكف عنه. وما سواه فمعفو عنه لأنه بحكم التبعية لا بحكم الأصل". [2]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات 3/ 232.
[2] المرجع نفسه 3/ 232.