وهذا ظاهر فيما كان محرما لذاته؛ فإن تحريمه لا يتوقف على إدراك ما يترتب عليه من المفاسد؛ إذ ما كان محرما لذاته لا يدور تحريمُهُ مع علته وجودا وعدما , فتحريم الزنا لا يدور مع علته التي هي اختلاط الأنساب وجودا وعدما؛ إذ قد تنتفي العلة ويبقى التحريمُ, ويترتب عليه أثره؛ كما إذا وطئ رجلٌ صغيرةً, وكذلك تحريم شرب الخمر لا يدور مع علته التي هي الإسكار؛ إذ قد ينتفي الإسكار ويبقى التحريم؛ كما إذا اعتاد الشخص شرب الخمر بحيث لا يؤثر في عقله شيئًا, أو شرب قدرا لا يسكر [1] , وكما يؤاخذ الزاني بمقتضى المفسدة في اختلاط الأنساب وإن لم تعلق المرأة من زناه بحمل [2] , ولو وجد إنسان يأخذ الصبيان من أمهاتهم صغارا ويأتي بهم كبارا, بحيث لا يُعرفون بعد ذلك فقد ضيع أنسابهم لا محالة, ومع ذلك لم يقل أحد: إنه يقام عليه حد الزنا؛ بسبب أنه أوجب اختلاط الأنساب, ومن ضيع المال بالغصب والعدوان لا يجب عليه حد السرقة [3] , مع توفر المعنى الذي لأجله شرع الحدُّ. , وهذا كله يقتضي الوقوف مع صريح الأوامر والنواهي دون الاعتماد على المصالح وحدها.
يعبر الإمام الشاطبي عن هذا الدليل قائلا: (( كثيرا ما يظهر لنا ببادئ الرأي للأمر أو النهي معنى مصلحي ويكون في نفس الأمر بخلاف ذلك يبينه نص آخر يعارضه فلابد من الرجوع إلى ذلك النص دون اعتبار ذلك المعنى ) )وهذا يقتضي مراعاة العمل بما تفيده النصوص وما يفهم من صريح الألفاظ وعدم التعويل على المعاني وحدها. [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: تهذيب الفروق والقواعد السنية للمالكي 1/ 150.
[2] انظر: تهذيب الفروق والقواعد السنية للمالكي 2/ 87.
[3] انظر: الفروق للقرافي 2/ 168.
[4] الموافقات 2/ 147.