وكذلك أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة؛ فآية السرقة نزلت في سرقة المجن, أو رداء صفوان , وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر , وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية , إلى غير ذلك, والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير؛ فدل على أن السبب غير مسقط للعموم, ولو كان مسقطًا للعموم؛ لكان إجماع الأمة على التعميم خلاف الدليل, ولم يقل بذلك أحد [1] .
ثالثا من المعقول:
العقل يدل على أن اللفظ العام الصادر من حكيم, يجب إجراؤه على عمومه, إلا لمانع ولا مانع هنا. ثم إن الشريعة جاءت عامة صالحة لكل زمان ومكان, والوحي انقطع بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - فلو قلنا العبرة بخصوص السبب, لتعطلت كثير من الأحكام, وهذا فيه إبطال لعموم الشرعة وكمالها, فيلزم من ذلك أن يكون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [2] .
1 -ذهب فريق من الفقهاء؛ منهم الشافعية إلى وجوب الترتيب في الوضوء على النحو الذي ذكرته آية الوضوء. ومما استدلوا به على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع, لما قالوا له: أنبدأ بالصفا أم بالمروة:"ابدأوا بما بدأ الله به" [3] والعبرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الإحكام للآمدي 2/ 85؛ وميزان الأصول للسمرقندي ص 333؛ ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي 1/ 24.
[2] انظر: البرهان للجويني 1/ 255؛ وشرح اللمع للشيرازي 1/ 395؛ والإحكام للآمدي 2/ 85؛ وميزان الأصول للسمرقندي 333.
[3] رواه النسائي في سننه 5/ 236 (2962) بهذا اللفظ، وهو في صحيح مسلم 2/ 886 (1218) بلفظ"أبدأ بما بدأ الله به"، ورواه أحمد 22/ 326 (14440) ؛ وأبو داود 2/ 182 (1905) ؛ والترمذي 5/ 210 (2967) ؛ والنسائي 5/ 235 (2961) ؛ وابن ماجة 2/ 1022 (3074) بلفظ"نبدأ بما بدأ الله به"كلهم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.