ومما يدخل في أمثلة هذا السبب: الأمثلةُ التي ذكرها بعض علماء القواعد الفقهية في مبحث تعارض الأصلين [1] ؛ فإن الأصلين في هذا المبحث عبارة عن قاعدتين حصل بينهما تعارض, ورُجِّحَت إحداهما على الأخرى, فالمسألة تعتبر مستثناة من القاعدة المرجوحة بالنسبة لها, بسبب وجود القاعدة الراجحة.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن غالب الأصول المتعارضة التي ذكرها العلماء في مبحث تعارض الأصلين هي من القواعد أو الضوابط المندرجة في قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) , كقاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان , و الأصل براءة الذمة , و الأصل العدم , و ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين , و الأصل الطهارة , و الأصل في اللحوم التحريم , و الأصل في العقود الصحة , و الأصل في الأبضاع التحريم , ونحو ذلك.
أسباب الاستثناء السابقة يمكن أن تعود لسبب واحد يجمعها, وهو رعاية مصلحة المكلف بمفهومها العام, ولكن المصلحة المرادة هنا في هذا السبب هي المصلحة بمفهومها الخاص, وهي ما يسميه الأصوليون المصلحة المرسلة [2] .
وصورة الاستثناء بالنسبة لهذا السبب: أن توجد مسألة مندرجة في قاعدةٍ ما, ولكن هذه المسألة يتعلق بها مصلحة للمكلف لا تتحقق بالحكم الوارد في القاعدة, فيعتبر وجود هذه المصلحة مانعًا من إلحاق هذه المسألة بالقاعدة, فيجتهد بعض العلماء في استثناء هذه المسألة من القاعدة بسبب رعاية هذه المصلحة, وقد ألمح بعض العلماء لهذا السبب, فمن ذلك قول ابن عبد السلام:
"... والشرع يستثني من القواعد ما لا تداني مصلحته هذه المصلحة العامة, فما الظن بهذه المصلحة" [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل 2/ 169؛ والمجموع المذهب 1/ 311؛ والأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 32؛ والأشباه والنظائر للسيوطي 68.
[2] المصلحة المرسلة: هي المصلحة التي لم يدل دليل خاص على اعتبارها، ولا على إلغائها، ولكن عمومات الشريعة تدل على اعتبارها.
[3] قواعد الأحكام 2/ 24.