يدخل في ذلك؛ لأن"التوبة لا تأثير لها في حقوق الآدميين" [1] . قال ابن عابدين:"التعزير لا يسقط بالتوبة إذا كان حقا لعبد, أما ما وجب حقا لله تعالى فإنه يسقط" [2] , وقرره ابن قاسم الصنعاني أيضا بقوله:"يسقط التعزير بالتوبة ولو بعد الرفع في حق غير الآدمي" [3] .
وهذه القاعدة تختص بباب العقوبات, المقدرة منها وغير المقدرة. وهي محل اتفاق بين الفقهاء في أصلها, ولا يؤثر في ذلك الخلاف في بعض صورها فروعها. وقد جرى عليها العمل في القوانين الوضعية أيضا؛ فالقاعدة العامة عندهم هي أن توبة الجاني لا تسقط العقوبة [4] .
1 -عموم الآيات القرآنية التي تقرر العقوبة على العصاة؛ مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} سورة النور: 2, {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة: 38] , فكل نص منهما عام في التائبين وغيرهم, ولم يفرق بين ما قبل التوبة وبعدها, ولم يستثن من ذلك إلا حد الحرابة [5] .
2 -إقامة النبي صلى الله عليه وسلم الحد على من جاءه تائبا, إذ رجم ماعزا و الغامدية [6] ,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن المالكي 2/ 320.
[2] رد المحتار لابن عابدين 4/ 81. بتصرف يسير.
[3] التاج المذهب للعنسي 4/ 256 - 257.
[4] إلا أن بعض القوانين الوضعية لا تعاقب الجاني إذا عدل مختارًا عن إتمام الجريمة؛ لأنها لا تعتبر الفعل غير التام جريمة، ومن هذه القوانين القانون المصري والقانون الفرنسي، وهي حالة مستثناة مما يعرف بالقانون الوضعي بعقوبة الشروع في الجريمة. انظر: التشريع الجنائي في الإسلام لعبد القادر عودة 1/ 355.
[5] انظر: المحلى لابن حزم 12/ 19، شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري 2/ 200، المغني لابن قدامة 9/ 130.
[6] وقصتهما في صحيح مسلم 3/ 1323 (1695) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.