بعد التوبة قبل استيفاء الحد فلا شيء عليه, ولا يعاقب في الآخرة [1] ؛ وهذا ما قرره العلامة ابن نجيم بقوله:"الواجب على العاصي في نفس الأمر التوبة فيما بينه وبين الله تعالى, والإنابة, ثم إذا اتصل بالإمام ثبوته وجب إقامة الحد على الإمام, ولا يمتنع من إقامته بسبب التوبة" [2] , وقال العلامة ابن عابدين في تعليقه على قول صاحب الدر المختار:"وأجمعوا أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" [3] :"الظاهر أن المراد أنها لا تسقط الحد الثابت عند الحاكم بعد الرفع إليه, أما قبله فيسقط الحد بالتوبة" [4] .
... وأما التعزير فقد يكون حقا لله تعالى أو حقا للفرد, وقد يشترك فيه الحقان وأحدهما غالب على الآخر. فإن كان التعزير حقا خالصا للفرد أو الغالب فيه حقه كالشتم والسب والضرب بغير حق, وشهادة الزور ونحوها مما يتوقف على الادعاء الشخصي, فلا يسقط بالتوبة.
وأما إن كان التعزير حقا لله تعالى, كما في حالة انتهاك الحرمات الشرعية, كتعزير من يفطر في نهار رمضان عمدا بدون عذر. أو كان حق الله فيه غالبا, كمباشرة امرأة أجنبية فيما دون الجماع؛ كتقبيل وعناق وخلوة بها ونحو ذلك, فيسقط بالتوبة؛"لأن التعزير إذا كان حقا لله تعالى يسقط بالتوبة" [5] .
وقد ذكر بعض الفقهاء الإجماع على سقوط التعزير بالتوبة مطلقا؛ قال القرافي:"التعزير يسقط بالتوبة, ما علمت في ذلك خلافا" [6] , ولعل المراد من إطلاقهم التعزير الواجب حقا لله تعالى, أما التعزير الواجب لحق العباد فلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المنثور للزركشي 1/ 428.
[2] البحر الرائق لابن نجيم 5/ 3.
[3] الدر المختار للحصكفي مع رد المحتار 4/ 3.
[4] رد المحتار لابن عابدين 4/ 4.
[5] البحر الرائق لابن نجيم 7/ 100.
[6] الفروق للقرافي 4/ 181.