المبحث السادس
أثر المستثنيات من القاعدة في تحديد مجالها التطبيقي
إن الدارس للقواعد الفقهية يرى أن أي قاعدة فقهية لها مجال محدد, ولكن يلاحظ أنه من منطلق الحرص على الاختصار في صيغ القواعد الفقهية ترد معظم القواعد الفقهية بصيغة مختصرة جدا [1] , ويتبع ذلك أن تكون صيغة القاعدة مطلقة, بمعنى أنه لا يرد معها القيود أو الشروط التي تحدد مجالها التطبيقي. ويترتب على ذلك ورود المستثنيات على القواعد الفقهية, وقد أشار الدكتور يعقوب الباحسين إلى شيء من ذلك بقوله:"إذا تتبعنا اكثر ما يستثنونه وجدناه لا ينطبق عليه شرط القاعدة, إذ إنهم يذكرون القاعدة مجردة عن الشروط التي لا بد من تحققها" [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إنما قيل: معظم القواعد، ولم يقل كلها؛ لأن هناك قواعد قليلة وردت بصيغة مبسوطة، وفي طياتها بعض القيود أو الشروط، ومن أمثلة ذلك قاعدة التداخل، فقد أوردها السيوطي بصيغة"إذا اجتمع أمران من جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دخل أحدهما في الآخر غالبًا"الأشباه والنظائر ص 126. فهذه القاعدة بهذه الصيغة فيها قيود تحدد مجالها التطبيقي، وتؤدي إلى الاحتراز عن بعض المسائل، وقد أشار السيوطي لذلك بقوله:"وقد علمت ما أوردناه من الفروع. مع ما احترزنا عنه بقولنا (من جنس واحد) وبقولنا (ولم يختلف مقصودهما) وبقولنا (غالبًا) "الأشباه والنظائر ص 128. كما أورد ابن رجب قاعدة التداخل بصيغة أخرى، ولكنها تحمل بعض القيود أيضا، فقال:"إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ، في وقت واحد، ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى: تداخلت أفعالهما، واكتُفِي فيهما بفعل واحد"قواعد ابن رجب ص 23. وإيرادُ القاعدة بصيغة مبسوطة تحمل معها شروط القاعدة، أو حالاتها: ميزةٌ واضحة في كتاب القواعد لابن رجب، لكن ترتب على طول قواعده صعوبة حفظها وتداولها بين طلاب العلم.
[2] القواعد الفقهية 47.