وأما الشافعية, فإنهم يرجحون اللفظ على المعنى في كثير من المسائل, ولذلك يذكرون القاعدة بصيغة مقرونة بالاستفهام, والترجيح عندهم مختلف في الفروع كما قال السيوطي [1] , فيراعى اللفظ تارة, والمعنى تارة, وذلك حسب المدرك, والضابط عندهم في هذه المسألة هو ما نقله ابن السبكي عن ابن الرفعة , وهو:"أن ينظر إلى اللفظ عند بُعد المعنى, وإلى المعنى عند قربه" [2] , كما هو مفصل في قاعدة:"العبرة في العقود للمقاصد والمعاني, لا للألفاظ والمباني" [3] .
1 -قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} {البقرة: 225} , فنصت الآية على أن المعتبر من الأيمان ما وافق قصد المتكلم دون غيره, وهذا يدل على أن الكلام إذا لم يوافق قصد صاحبه كان لغوًا؛ قال ابن العربي:"انتظمت الآية قسمين: قسم كسبه القلب, فهو المؤاخذ به, وقسم لا يكسبه القلب, فهو الذي لا يؤاخذ به" [4] .
2 -ما رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة , فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه, فأيس منها, فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته, فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده, فأخذ بخطامها ثم قال, من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح" [5] , فلم يحكم بكفره؛ لاعتبار قصده, مع كون اللفظ صريحا في الكفر."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه للسيوطي ص 183.
[2] انظر: الأشباه لابن السبكي 1/ 176.
[3] مجلة الأحكام العدلية: م / 3، شرح القواعد الفقهية للزرقا ص 55، قواعد الفقه للمجددي ص 91، المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 980. وانظرها بلفظها في قسم القواعد الفقهية.
[4] أحكام القرآن لابن العربي 1/ 176.
[5] رواه البخاري 8/ 38 (6309) ، ومسلم واللفظ له 4/ 2104 - 2105 (2747) / (7) ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.