ومن أبواب العدول عن العلم أو اليقين إلى الظن عند التعذر أو التعسر: ما إذا كان أحد مطالبًا بشيء معين, وجب في ذمته لسبب من الأسباب, فإن الأصل أن يؤديه بعينه أو بمثله من جنسه, فإذا تعذر ذلك أو تعسر جازت القيمة التي هي بدل تقريبي بالظن. [1] وهذا في العبادات, كالزكاة والنذر والهدي والأضحية. وفي المعاملات, كجميع صور ضمان الأعيان والمتلفات. [2]
ومجال العمل بالقاعدة واسع جدًا, فيشمل العبادات والمعاملات كلها.
1_ عن أبي حميد الساعدي قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما جاء وادي القرى إذا امرأة في حديقة لها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"اخرصوا"وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق فقال لها:"أحصي ما يخرج منها [3] "ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرص ثمر الحديقة وأمر أصحابه بخرصها, أي تقدير وتخمين ثمرها على رؤوس الأشجار. وفي هذا عدول عن العلم واليقين للحاجة وهي التصرف في الثمار بالبيع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل كما يقوم التراب مقام الماء والميتة مقام المذكى عند الحاجة" [4] .
2_ عن زيد بن ثابت رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا [5] أن تباع بخرصها كيلًا" [6] ووجه الدلالة: أن الشرع نهى عن ضروب كثيرة من المعاملات الربوية, والعرايا من المعاملات التي لا يمكن خلوها من المراباة لعدم تساوي المثلين عند البيع. فالكيل تقدير بعلم, والخرص"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: القواعد للمقري 1/ 289، نظرية التقريب والتغليب ص 242 - 243. وانظر: صياغة قاعدة"من شرط الانتقال إلى الذمة تعذر المعين".
[2] انظر: المغني 5/ 429، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة لمصطفى الزرقا ص 37.
[3] رواه البخاري 2/ 125 (1481) واللفظ له، ومسلم 4/ 1785 (1392) / (12) .
[4] مجموع الفتاوى لابن تيمية 22/ 333.
[5] العرايا: هي النخلات التي يعيرها الرجل لغيره، أي: يعطيه إياها ليأكل ثمرها ثم يعيدها إليه.
[6] رواه البخاري 3/ 74 (2173) ؛ ومسلم 3/ 1169 (1539) / (64) واللفظ له.