كلمة الأصل هنا بمعنى القاعدة المستمرة, والظاهر.
هذه القاعدة تعني أن من الأمور الثابتة والمقررة شرعًا - وعقلًا - أن كل إنسان حينما يقوم بعمل ما فإنه يعمل ويتصرف لمصلحة نفسه فيما يعمل لا لغيره, إلا إذا ثبت وقام دليل يدل على أنه يعمل لغيره نائبًا ووكيلًا أو أجيرًا.
وهذه القاعدة متفرعة من القاعدة الكبرى"اليقين لا يزول بالشك"وتندرج تحتها, ووجه ذلك أن كون الإنسان يعمل لنفسه هو الأمر المتيقن, وما عداه مشكوك فيه, فلا ينتقل عنه ما لم يثبت خلافه.
ولما كانت القاعدة المستمرة والأصل الثابت في الشريعة الإسلامية أن كل شخص يتصرف لخاصة نفسه - إلا إذا ثبت أنه يعمل لغيره -كان هو وحده المسؤول عن نتيجة فعله, له أجره وغنمه وعليه جزاؤه ووزره وغرمه لا على غيره؛ إذ (لا تزر وازرة وزر أخرى) وقد قرر الفقهاء أن (من عمل لنفسه فلحقه ضمان بسببه لا يرجع به على أحد) , كما أن المرء لا يكون له من عمل غيره نصيب - إلا ما استثناه الشرع - ولا يعتد له إلا بما عمله بنفسه أو تسبب إليه باستنابة ونحوه. وسواء أكان الإنسان مباشرًا للعمل بنفسه, أو يأمر غيره به؛ لأن من المقرر شرعًا أن (عمل الغير بأمره كعمله بنفسه) .
وهذه القاعدة وإن كانت متداولة بالصيغ المذكورة في مجال معين من مصادر الفقه الحنفي, وهو مجال المعاملات والدعاوى والنزاعات, إلا أن معناها ومضمونها - على ما تقدم - عام, متفق عليه بين جميع الفقهاء [1] وسائر العقلاء؛ لأنها تشهد لها أصول وقواعد الشريعة والعقول السليمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: القراءة خلف الإمام للبيهقي ص 203، الفروق - وما معه- للقرافي 2/ 195، التشريع الجنائي لعبد القادر عودة 1/ 394.