الأصل أن الشبهة [1] غير معمول بها إذا لاقت أصلا مستقرا, لكنها تعتبر وتعمل عمل الحقيقة في أبواب معينة وقد جاءت جملة من القواعد ذات العلاقة مبينة لها, وإذا كانت الشبهة معتبرة في هذه الأبواب لأجل الاحتياط, فإن شبهة الشبهة غير معتبرة وغير معمول بها فيها وفي غيرها لضعفها وابتنائها على الوهم, وقد جاء هذا المعنى واضحا في بعض صيغ القاعدة كتلك التي تنص على أن:"الشبهة هي المعتبرة دون شبهة الشبهة"والأخرى التي لفظها:""الشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها"", والمقصود بـ (شبهة الشبهة) الاحتمال الذي يرِد على الشبهة, بأن لا يكون الشخص على ثقة من حصول الشبهة نفسها, فهو شبهة نتجت عن شبهة, فإذا أقر إنسان مثلا على نفسه بالزنا بامرأة غائبة أو شهد عليه بذلك أربعة - أقيم عليه الحد, ولا يقال: لا يحدّ حتى تحضر الغائبة لاحتمال ادعائها النكاح فيكون شبهة تدرأ عنه الحد. لأنا نقول: نفس دعواها شبهةٌ يدرأ بها الحد, أما احتمال أن تدعي فهو شبهة لهذه الشبهة فلا تعتبر؛ إذ هي توهُّم محض لا تتغير به الأحكام الشرعية, وبهذا يظهر تفرع القاعدة عن القاعدة المشهورة"لا عبرة للتوهم"المتفرعة بدورها عن قاعدة"اليقين لا يزول بالشك".
وهذه القاعدة قد حكى ابن نجيم إجماع المذهب على صحتها [2] , ويؤيده أن القول باعتبار شبهة الشبهة يعود على أبواب الحدود والعقود وغيرها بالإبطال, على نحو ما يأتي تفصيله في أدلة القاعدة إن شاء الله تعالى, ويؤيد ذلك أيضا أن أصل هذه القاعدة وهو"لا عبرة للتوهم"متفق عليه بين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تقدم بيان معنى الشبهة وأقسامها عند الفقهاء في قاعدة"الشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما هو مبني على الاحتياط"في قسم القواعد الفقهية.
[2] انظر: البحر الرائق لابن نجيم 4/ 153.