واعتبار أمارات الشيء بمنزلة تحققه من خلال إجراء الحكم وترتيب الآثار عليه قبل وجوده واقعا, مردُّها إلى دفع مفسدة متوقعة أو جلب مصلحة راجحة كما اتضح من خلال الشرح وسيتضح أيضا من خلال التطبيقات. ...
... والقاعدة وإن وردت صيغتها عند الشافعية فقط؛ فإن العمل بمضمونها معتبر عند غيرهم وإن كان الخلاف بينهم واقعا في تطبيق أحد الرأيين الخلافيين فيها على فروعها, ومجال إعمالها أساسًا المعاملات؛ وإن اندرج فيها بعض مسائل العبادات كما يظهر من خلال تطبيقاتها.
1 -قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58] . قال ابن تيمية:"فإنما أباح النبذة عند ظهور أمارات الخيانة لأنه المحذور من جهتهم" [1] , وقال الرازي"قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ ... } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها" [2] .
2 -قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 182] , قال الرازي:"المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف - الذي هو الميل عن طريقة الحق مع ضرب من الجهالة أو مع التأويل - أو شاهد منه تعمدًا؛ بأن يزيد غير المستحق, أو ينقص المستحق حقه, أو يعدل عن المستحق, فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقيق الوصية يأخذ في الإصلاح, لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارت"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفتاوى الكبرى 4/ 85، القواعد النورانية له أيضا ص 194.
[2] التفسير الكبير للرازي 15/ 150.