لحِكَمٍ بالغة, سواء أكانت هذه الأحكام أحكامًا أصلية, أم كانت استثناءً من قواعد.
ونظرًا لعدم معقولية معناها لنا فإن بعض العلماء سماها تعبدية, وهي تعتمد في إثباتها على التوقيف عليها, أي تعتمد على نص من الكتاب أو السنة, وقد أشار القرافي لذلك بقوله:"المعاني الكلية قد يُستثنَى منها بعض أفرادها بالسمع" [1] .
ومن أمثلة هذا النوع: أن من القواعد الفقهية قاعدة (ما كان أكثر فعلًا كان أكثر فضلًا) وقد ذكرها عدد من العلماء [2] , ومعناها: أن العبادة يكثر فضلها وثوابها بحسب كثرة أفعالها, ومن ذلك: أن صلاة الإنسان الصحيح النافلة قاعدًا على النصف من صلاته إياها قائمًا, فصلاة الإنسان قائمًا أكثر ثوابًا من صلاته قاعدًا بسبب كثرة أفعال القائم بالنسبة للقاعد. وهذه القاعدة يستثنى منها مسائل متعددة, بحيث يكون الشيء فيها أقل فعلًا ومع ذلك يكون أكثر فضلًا؛ منها: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات أفضل من الفصل بينهما بحيث يكونان بست غرفات, ومنها: قصر الصلاة في حال توافر شرطه أفضل من الإتمام, ومنها: تخفيف ركعتي الفجر أفضل من تطويلهما [3] , وهذه المسائل المستثناة غير معقولة المعنى, والعمدة في استثنائها ورود النصوص الشرعية بتفضيلها مع قلة الفعل فيها.
والمراد بهذا النوع أن المستثنيات فيه قد ظهر للعلماء أو بعضهم المعنى الذي لأجله استثنيت هذه المسائل من قواعدها.
ونظرًا لأن هذا النوع يدور على معقولية المعنى فإن إثباته يعتمد في الغالب على اجتهاد العلماء في استظهار المعنى الذي دعا إلى الاستثناء في كل مسألة بحسبها, ولا يتوقف على وجود نص شرعي كالنوع الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق 1/ 12.
[2] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 143.
[3] انظر: المصدر السابق.