المطلب الثالث
التصنيف في القواعد الأصولية
انتهى بنا الحديث في المطلب السابق إلى أن تطور القواعد الأصولية تمَّ من خلال مسارين, المسار الأول: تخريجها من الفروع الخاصة بكل مذهب, والمسار الثاني: تطورها بتطور علم أصول الفقه نفسه, من خلال التنافس والسجال بين المذاهب.
والتطور المشار إليه - بنوعيه - لم يكن بعيدًا عن التصنيف - أو بتعبير أدق كتابة القواعد الأصولية وتدوينها - إذ لو لم تكن القواعد مكتوبة لما تم إدراك تطورها أصلًا؛ لأن تصور ذلك التطور لا يكون إلا من خلال النظر في مادة القواعد الأصولية, سواء في ذلك القواعد المخرجة أو المؤسسة.
وهذا ينتهي بنا إلى أن كتابة القواعد الأصولية بدأت منذ زمن بعيد, بتزامن مع تدوين/ 3 الإمام الشافعي للرسالة التي احتوت هي نفسها على عدد كبير من القواعد, كما سلفت الإشارة, فضلًا عما مرَّ بنا من أن مصطلح القواعد عرفه الأصوليون واستعملوه منذ القرن الرابع الهجري, وشاع تداوله بينهم بمختلف مدارسهم.
غير أن تلك القواعد الأصولية لم تكن مستقلة, وإنما كانت جزءًا من المادة الأصولية في كتب الأصول, وجزءًا من التخريج في كتب تخريج الأصول من الفروع. ولذلك يمكن القول بأن تدوين القواعد الأصولية النظرية بدأ مع تدوين أصول الفقه وضمنه, في القرن الثالث الهجري. ثم تبعه تدوين القواعد المخَرَّجة عند الحنفية في القرن الرابع الهجري, عند أبي زيد الدبوسي في كتابه"تأسيس النظر". ثم تتابع الاهتمام بها وتناولها ضمن كتب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر, التي بدأ تأليفها في القرن السابع الهجري [1] , حيث ضمت تلك الكتب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] القواعد الفقهية للدكتور يعقوب الباحسين ص 330.