في حفظ النبيذ وشربه, وكانت تستعمل للخمر قبل نزول تحريمها. ثم أَعلن بعد ذلك عن رفع هذه النواهي الثلاثة, وأذن في منهياتها. والمقصود عندنا هو أن النواهي النبوية الثلاثة وقعت لمفاسد كانت تنجم عن تلك المنهيات. فلما ارتفعت المفاسد وأُمن على الناس منها, ارتفع النهي وحل محله الإذن أو الحث. وفيما يلي بيان ذلك على ألسنة العلماء.
قال ابن القيم:"كان في أول الإسلام قد نَهَى عن زيارة القبور, صيانة لجانب التوحيد, وقطعا للتعلق بالأموات, وسدا لذريعة الشرك التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها, كما قال ابن عباس [1] . فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين, أذن في زيارةٍ يحصل بها مزيد الإيمان, وتذكير ما خُلق العبد له من دار البقاء, فأَذن حينئذ فيها. فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة" [2] .
قال الإمام الشافعي:"فإذا دَفَّتِ الدافة [3] ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث, وإذا لم تدف دافة, فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة. ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا في كل حال, فَيُمسِكُ الإنسان من ضحيته ما شاء ويتصدق بما شاء" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه أحمد 3/ 471 (2029) ، وأبو داود 4/ 69 (3228) ، والترمذي 2/ 136 (320) ، والنسائي 4/ 94 - 94 (2043) ، وابن ماجه 1/ 502 (1575) ولفظه:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"وقال الترمذي: حديث حسن.
[2] - حاشية ابن القيم على سنن أبي داود 9/ 44، نشر: دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 - 1995، الطبعة الثانية.
[3] الدافة الجماعة تسير سيرا ليس بالشديد. يقال هم يدفون دفيفا، والمراد في الحديث قوم لجؤوا إلى المدينة وأهلها بعدما أصابتهم الفاقة. ولأجل إطعامهم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث.
[4] الرسالة للشافعي 1/ 216 - 217، دراسة وتحقيق: أحمد محمد شاكر، نشر مكتبه الحلبي بمصر، الطبعة الأولى، 1358 هـ -1940 م.