فقد اشتهر عنه أنه بيَّن أصول مذهبه وقرر قواعده - منذ البداية - بقوله:"إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته, فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه, التي فشت في أيدي الثقات, فإذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه؛ آخذ بقول من شئت, ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم و الشعبي و ابن المسيب وغيرهم, فلي أن أجتهد كما اجتهدوا" [1] .
وقد تضمنت مقولة الإمام أبي حنيفة هذه عدة قواعد أصولية منها: حجية الكتاب والسنة الصحيحة, وحجية إجماع الصحابة, وأن لا اجتهاد مع النص والإجماع. ومنها:"العام قطعي في دلالته كالخاص", و"مذهب الصحابي على خلاف العموم مخصص له", و"كثرة رواة الحديث لا تفيد رجحانه", و"مفهوم الشرط والصفة لا اعتبار له", و"لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى" [2] .
ونقل عنه تلاميذه أنه كان يمضي الأمور على القياس, فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان, ما دام يمضي له. فإذا لم يمض رجع إلى ما يتعامل به المسلمون" [3] ."
وعن تلميذه محمد بن الحسن الشيباني قال:"كان أصحابه ينازعونه المقاييس, فإذا قال:"أستحسن. لم يلحق به أحد" [4] ."
وجاء عنه هو نفسه فيمن قُضي بجلده لثبوت الزنى عليه, فلم يكمَل عليه الحد أو أكمل, فشهد شاهدان بإحصانه, قال:"القياس أن يرجم, ولكنا نستحسن فيدرأ عنه حد الرجم وما بقي عليه من الجلد, لأني أكره أن أرجمه, وقد أقمت"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، للحجوي 2/ 424.
[2] أوجز المسالك إلى موطأ مالك، للكاندهلوي 1/ 106، 107؛ والقواعد الأصولية تحديد وتأصيل، للدكتور مسعود فلوسي ص 87.
[3] مناقب الإمام أبي حنيفة، للموهوب المكي 1/ 82.
[4] المرجع السابق والصفحة.