الشرعية, فإنها حكم الله تعالى في جعل هذا السَّبب موجبا لذاك المسبَّب, فإذا قصد المكلف خلاف ما وضعت الأسباب الشرعية من أجله اعتبر قصده لغوًا وعبثًا, تماما كما لو قصد المكلف تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله, فإن قصده يكون لغوا وعبثا. قال الشاطبي:"ومن هنا كان تحريم ما أحل الله عبثا, من المأكول, والمشروب, والملبوس, والنكاح ... فجميع ذلك لغو؛ لأن ما تولى الله حليته بغير سبب من المكلف ظاهر مثل ما تعاطى المكلف السبب فيه" [1]
عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها, فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي. فلمّا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكّرته ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ابتاعيها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق"ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال:"ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط." [2]
وجه الدلالة في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد بيّن أن العتق سبب لثبوت الولاء للمعتق, فلما ألحّ أهلها باشتراط الولاء لهم, بيّن لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الشرط لا يغير من حكم العقد وأثره شيئا, وأن قصد المكلف مخالفة المسبّب الذي رتبه الشارع على السبب يعتبر لغوا لا قيمة له, وهذا ما أشار إليه بعض الشراح في توجيه الحديث وفهمه"أن المراد باشتراط الشرط الزجر والتوبيخ لهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان بين لهم حكم الولاء, وأن هذا الشرط لا يحل. فلما ألحوا في اشتراطه ومخالفة الأمر قال لعائشة هذا, بمعنى لا تبالي سواء شرطته أم لا, فإنه شرط باطل مردود لأنه قد سبق بيان ذلك لهم." [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموفقات 1/ 215.
[2] رواه البخاري 1/ 89 (456) واللفظ له ورواه بلفظ مقارب 3/ 152، 198 (2564) (2735) ، ورمز له المزي (رقم 17938) خ س.
[3] شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 140.