"تقرير النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز [1] , أو القاعدة الفقهية:"الأصل في الأشياء الإباحة" [2] , ولا يستثنى من ذلك إلا الوقائع التي يدل القياس على إلحاقها بأصول حكمها غير حكم الإباحة والجواز. [3] "
والقاعدة محل البحث وإن كانت تبيِّن منهج التشريع الإسلامي في التعامل مع قضايا الناس المختلفة إبّان عهد التشريع الأول, فإنها تبيِّن أيضا المنهج الذي ينبغي أن يمضي عليه المجتهد ويلتزمه في كل عصر وزمان في التعامل مع قضايا الناس المختلفة قبل دخولهم في الإسلام, أو دخول الإسلام إليهم؛ إذ ليست كل أحوال الناس- إن على مستوى الأفراد أو على مستوى الجماعات- تحتاج إلى هدم وإعادة بناء من جديد, وإنما المطلوب تغييره من أعمالهم وتصرفاتهم وعقودهم وعاداتهم وأحوالهم هو ما كان فاسدًا فقط. كما أن لهذه القاعدة أثرًا في توجيه عمل المصلحين والدعاة؛ فإصلاح المجتمعات عن طريق التقدم بها نحو قيَم الإسلام وأصوله وأحكامه, لا تستدعي من الدعاة والمصلحين تغييرَ جميع أحوال الشعوب وعاداتهم, ونقضها من أساسها ثم إعادة بنائها من جديد, وإنما تستدعي تغيير الفاسد منها فقط إن في مجال العقيدة أو العبادة أو التشريع, أما الصالح فإنه يقر ويبقى على حاله.
أقوى أدلة هذه القاعدة هو استقراء تفاصيل الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده, حيث يجد المتتبع لها أن قصد الشارع فيها هو تغيير الأحوال الفاسدة وتقرير الأحوال الصالحة, وسيظهر هذا من خلال التطبيقات. وثمة أدلة عامة من القرآن والسنة ترشد إلى هذا المعنى أيضا, ومن ذلك مثلا:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: هذه القاعدة في قسم القواعد الأصولية.
[2] انظر: هذه القاعدة في قسم القواعد الفقهية.
[3] انظر: مقاصد الشريعة لابن عاشور ص 344.