ثمة ما يفيد أن من أصول مالك تقديمه لمفسدة الوسيلة على المصالح التي يحتاج الناس إلى فعلها في حياتهم حتى يرتفع عنهم الحرج, ويذهب العنت, ويتحقق اليسر والسعة. ومجرد توسّع مالك رحمه الله في إعمال أصل سد الذرائع لا يعني أنه يغلق الذرائع التي تلحّ الحاجة على فعلها, ذلك أن سدّ الذرائع مشروط بأن تكون مفسدة الوسيلة أعظم وأكبر من مصلحتها, حتى إذا كانت المصلحة أعظم فإن الوسيلة لا تسدّ ولا تمنع وتبقى على أصل المشروعية والجواز.
وإن مما يؤيد عدم صحة هذه النسبة لمالك , ما قرره القرافي (المالكي) من أن الوسيلة الممنوعة في أصلها تصبح جائزة ومشروعة إذا تعلقت بها المصلحة الراجحة, وهذا هو عين ما تتضمنه القاعدة التي نحن بصددها إذ المصلحة الحاجية أعظم من مفسدة الوسيلة, قال القرافي:"قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للكفار الذي هو محرم عليهم الانتفاع به بناء على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة عندنا وكدفع مال لرجل يأكله حراما حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن دفعه عنها إلا بذلك, وكدفع المال للمحارب حتى لا يقع القتل بينه وبين صاحب المال عند مالك رحمه الله تعالى ولكنه اشترط فيه أن يكون يسيرا, فهذه الصور كلها الدفع وسيلة إلى المعصية بأكل المال ومع ذلك فهو مأمور به لرجحان ما يحصل من المصلحة على هذه المفسدة." [1]
إن الدليل الجامع لهذه القاعدة هو استقراء تصرفات الشارع الذي يرشد إلى أنه يقدم المصلحة الحاجية على مفاسد الأفعال التي حرمت تحريم ذرائع لا مقاصد, ومن ذلك مثلا:
1 -ما ثبت من مشروعية بيع العرايا بالرغم مما فيها من ربا الفضل, فعن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق للقرافي 2/ 62، وانظر هذا المعنى في قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 109.