فهرس الكتاب

الصفحة 2170 من 19081

وهنا لا بدّ من التأكيد على أن المصلحة التي تسوّغ فعل المحرم سدًا للذريعة لا بد أن تكون مصلحة حاجيّة حقيقية يلزم عن فواتها مشقة غير معتادة بالعباد, وليست مصلحة تحسينية أو تكميلية, وأن يكون في تفويت هذه المصلحة الحاجية مشقة وحرج وتضييق على العباد في حياتهم, وهذا ما نبّه إليه ابن القيم من خلال العديد من شواهد هذه القاعدة وتطبيقاتها التي أوردها حيث قال"وما حرم سدًا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل, وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر, وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامِل -أي في البيع والشراء ونحوها -من جملة النظر المحرم, وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسدّ ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله, وأبيحَ منه ما تدعو إليه الحاجة, وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأن الحاجة تدعو إلى ذلك, وتحريم التفاضل إنما كان سدًا للذريعة فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع ولا تتم مصلحة الناس إلا به." [1] .

وجميع هذه الأمثلة تشترك في أن الحاجة الحقيقية ورفع الحرج والمشقة عن الفرد والمجتمع هي التي استدعت فعل الوسيلة المحرمة, حتى إذا كانت المصلحة المعارضة للذريعةالمحرّمة مجرد مصلحة تحسينية فإنها لا تقوى على معارضة مفسدة الوسيلة وتبقى على حكم المنع والتحريم.

هذا, وفي سياق شرح هذه القاعدة وبيانها تجدر الإشارة إلى أن ابن تيمية قد ذكر في معرض تقريره لهذه القاعدة أن الإمام مالكًا يخالف في هذه القاعدة, حيث يمنع الوسيلة المفضية إلى الحرام حتى ولو كان يحتاج إليها, قال رحمه الله:"وأما مالك فإنه يبالغ في سدّ الذرائع حتى ينهى عنها مع الحاجة إليها." [2]

وإن نسبة هذا الرأي إلى الإمام مالك بحاجة إلى تدقيق وإعادة نظر, إذ ليس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إعلام الموقعين 2/ 161.

[2] مجموع الفتاوى لابن تيمية 23/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت