هناك دلالة على تعلقه بغيره؛ لأن المستقل لفظًا يصبح في هذه الحالات غير مستقل بإفادة الحكم.
1 -هذه القاعدة من القواعد المبنية على عرف أهل اللغة في معرفة معنى الكلام ودلالاته, فإن أهل اللغة يعطون لكل كلام مستقل حكمه و لا يعلقونه بغيره إلا إذا قام دليل يدل على ذلك, و كذلك الشأن في جميع النصوص الشرعية المستقلة, فإنها تفيد الأحكام بنفسها, و لا يجوز تعليقها بغيرها إلا بدليل, بخلاف غير المستقل, فإنه يجب بناؤه على غيره, فمثلًا: قال الله تعالى في شأن السارق: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ... [سورة المائدة 8] , ثم قال: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة المائدة 9] , فهذه الآية مستقلة بنفسها, فلا يصح بناؤها على سابقتها, وعليه لم تكن توبة السارق مسقطة للحد عنه. و قال في شأن المحاربين: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ... } [سورة المائدة 3] , و قال عقبه: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ... } الآية فهذه الآية غير مستقلة بل مرتبطة بما قبلها, فلذلك كانت توبة المحارب قبل القدرة عليه مسقطة للحد عنه. قال الجصاص - رحمه الله تعالى:"قوله تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} يصح أن يكون كلامًا مبتدأ مستغنيًا بنفسه عن تضمينه بغيره, وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله مضمنًا بغيره إلا بدلالة. وقوله تعالى: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} مفتقر في صحته إلى ما قبله, فمن أجل ذلك كان مضمنًا بِهِ"اهـ [1] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أحكام القرآن للجصاص 4/ 60.