ومعناها: أن الأصل في الكلام المستقل بنفسه أن يؤخذ منه الحكم مباشرة, ولا يتوقف في إفادة حكمه على كلام آخر, بخلاف غير المستقل من الكلام, فإنه لا يفيد حكمًا بمفرده, بل يجب بناؤه على غيره وتضمينه إياه.
والكلام قد يكون مستقلًا و مفيدًا بنفسه لكن يلحق به كلام غير مستقل فيسلب عنه استقلاليته, و يصبح جميعه كالجملة الواحدة؛ لأن"كل كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بكلام مستقل بنفسه صيره غير مستقل", لذلك لا يصح شرعًا أن يعتبرالكلام كلامًا مستقلًا حتى يفرغ عنه المتكلم بالسكوت؛ لأنه ربما يعلق كلامه بشرط أو بصفة, أو يلحق به استثناء, أو ما يكون في معنى رجوعه عن كلامه, فإذا سكت سكوتًا معتادًا تعين حكم كلامه؛ لما تقرر شرعًا من أن"حكم الكلام يتقرر بالسكوت".
هذا هو الأصل في الكلام المستقل - أي أن لا يتوقف على غيره في إفادة الحكم - لكن قد يكون الكلام مستقلًا لغةً غير أن هناك ما يدل على تعلقه بكلام سابق, لوجود قرينة أو دلالة حال, كأن يخرج الكلام جوابًا لسؤال سائل, فعند ذلك يجب اعتبار المستقل لغةً غير مستقل, و بناءَه على ما تقدمه, نحو أن يقول شخص لآخر: تعال تغدَّ مَعِيَ, فقال: والله لا أتغدى, فلم يتغد معه, ثم رجع إلى منزله فتغدى, فإنه لا يحنث استحسانًا؛ لأن كلامه"والله لا أتغدى"و إن كان كلامًا مستقلًا في حد ذاته إلا أنه لما خرج جوابًا للسؤال انصرف إلى ما وقع السؤال عنه, والسؤال وقع عن الغداء المدعو إليه, فينصرف الجواب إليه, كأنه أعاد السؤال وقال: والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه [1] ؛ لأن"السؤال معاد في الجواب" [2]
ويتبين مما تقدم أن المستقل من الكلام يؤخذ منه الحكم بمفرده, و لا يبنى على غيره بشرط أن لا يلحقه و لا يسبقه كلام غير مستقل. و أن لا توجد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: بدائع الصنائع 3/ 13.
[2] المغني لابن قدامة 7/ 264.