هذه القاعدة من القواعد المنظمة لأحكام رضا المكلف في تصرفاته مثل العقود والمعاملات والالتزامات وسائر التصرفات.
ومعناها: أن رضا المكلف بشيء ما - صراحة كان أو دلالة - يكون رضا منه حكمًا بما هو أعلى من ذلك الشيء في الخيرية, وينزل رضاه بالأدنى منزلة رضاه بالأعلى في ترتب الأحكام عليه شرعًا [1] .
وهذه القاعدة مع أننا لم نقف على لفظها إلا في مصدر واحد من مصادر الفقه الحنفي , إلا أنها من القواعد المتفق على اعتبار معناها ومضمونها بين جميع الفقهاء من حيث الجملة.
والأصل أن"الشيء لا يتضمن مثله ولا أعلى منه"لكن تستثنى منه هذه القاعدة لدلالة العادة, إذ الرضا بالشيء يتضمن الرضا بما هو خير منه بدلالة العادة, فمن لم يرض بما هو خير له عالمًا بكونه خيرًا له وأنفع, فهو متعنت,"ولا عبرة لاختيار المتعنت" [2] . وعلى ذلك تكون هذه القاعدة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكبرى"العادة محكمة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ولما كان الإذن يدل على الرضا ويستلزمه عادة، لذلك لا يبعد أن يدخل في معنى القاعدة إذن الشارع في شيء وإباحته له، فإذا كان الشارع قد أذن في شيء، ولم يكن من الأمور التوقيفية، جاز الإتيان بما هو أعلى منه وخير، فمثلًا: لو ضحى مكلف واحد ببدنة أجزأته؛ لأن البدنة إذا كانت تجزئ عن سبعة، فمن باب أولى أن تجزئ عن واحد؛ لأنها زيادة خير. انظر: المجموع المذهب في قواعد المذهب للعلائي 1/ 250؛ المنثور للزركشي 3/ 320. ومن ذلك أيضًا: من أخرج في زكاة الماشية سنًا أعلى من الفرض من جنسه، جاز، وللساعي قبولها، قال ابن قدامة:"لا نعلم فيه خلافًا". المغني 2/ 233. وكذلك من عدل عن القوت الواجب عليه في صدقة الفطر إلى قوت أعلى منه أجزأه؛ لأنه زاد خيرًا - انظر: التنبيه للشيرازي ص 61؛ الإقناع للشربيني 1/ 228 - وهذا المعنى هو ما تدل عليه القاعدة القائلة:"إذا أدى المكلف أفضل مما وجب عليه أجزأه"مجموع الفتاوى لابن تيمية 31/ 234.
[2] البحر الرائق لابن نجيم 8/ 309. وانظر أيضًا: المبسوط للسرخسي 12/ 157؛ بدائع الصنائع للكاساني 7/ 20.