الأمر الثاني: كون الزيادة في عبادة مالية أو غير مالية.
فإن المقصود في العبادات المالية هو منفعة بذل المال, وكلما كان أكثر كان أدعى إلى تحصيل المقصود من شرعيتها, فإذا وجب على المكلف قدر معين من المال زكاةً لماله مثلا فأخرج أكثر فإنه يجزئه عند أهل العلم؛ لأن المقصود وهو سد خلة الفقير يحصل وزيادة, بل إنه يثاب على الزيادة ثواب الصدقة, مع ملاحظة أن المالكية ينظرون فيها إلى مخالفة جانب التشريع فيقولون بكراهة مثل ذلك, لكن جماهير العلماء يخالفونهم في ذلك؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وقد تنازع الفقهاء في الواجب المقدر إذا زاده, كصدقة الفطر إذا أخرج أكثر من صاع. فجوزه أكثرهم وهو مذهب الشافعي و أبي حنيفة و أحمد وغيرهم. وروي عن مالك كراهة ذلك". [1]
والذي يمكن أن نستخلصه من خلال النظر إلى الفروع الفقهية المتعلقة بهذا الموضوع عند الفقهاء, هو أن الأصل أن المكلف إذا أتى بالواجب المقدر ثم زاد عليه. عمدا فإنه يقع مجزئا؛ لأنه أتى بالواجب المقدر كاملا غير منقوص, ويستثنى من ذلك الصلاة بإجماع أهل العلم [2] , وبعض الفروع الأخرى عند بعضهم, وهذا بغض النظر عن حكم هذه الزيادة من حيث جواز أو عدم جواز الإقدام عليها.
1 -عن أبي هريرة , رضي الله عنه, قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلي [3] ن من آثار الوضوء", فمن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 31/ 249.
[2] انظر: الاستذكار لابن عبد البر 1/ 529
[3] قوله: (غرا) جمع أغر، أي ذو غرة، وأصل الغرة كما ينقل ابن حجر: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور الكائن في وجوه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، و قوله: (محجلين) من التحجيل وهو بياض يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس، والمراد به هنا أيضا النور. وقوله في آخر الحديث: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) فظاهره أنه بقية الحديث، لكن رواه أحمد من طريق فليح عن نعيم وفي آخره قال نعيم: لا أدري قوله من استطاع إلخ من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة. ولم أرَ هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه، والله أعلم. انظر: فتح الباري 1/ 236.