والثاني: ما ليس فيه حظ عاجل مقصود, سواء أكان من فروض الأعيان: كالعبادات البدنية والمالية, أم كان من فروض الكفايات: كالولايات العامة من الخلافة والوزارة, وغير ذلك من الأمور التي شرعت عامة لمصالح عامة إذا فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام.
فأما الأول: فلما كان للإنسان حظ عاجل وباعث من نفسه يستدعيه إلى طلب ما يحتاج إليه, وكان ذلك الداعي قويا جدا بحيث يحمله قهرا على ذلك؛ لم يؤكد عليه الطلب بالنسبة إلى نفسه, بل جعل الاحتراف والتكسب والنكاح على الجملة مطلوبا طلب الندب, لا طلب الوجوب, بل كثيرا ما يأتي في معرض الإباحة, كقوله تعالى: {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] , وقوله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] , وقوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] , وقوله: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 57, 172, والأعراف: 160, وطه: 81] , وما أشبه ذلك, مع أننا لو فرضنا أخذ الناس له كأخذ المندوب بحيث يسعهم جميعا الترك لأثموا؛ لأن العالم لا يقوم إلا بالتدبير والاكتساب. فهذا من الشارع كالحوالة على ما في الجبلة من الداعي الباعث على الاكتساب, حتى إذا لم يكن فيه حظ أو جهة نازع طبعي, أوجبه الشرع عينا أو كفاية, كما لو فرض هذا في نفقة الزوجات والأقارب وما أشبه ذلك [1] . .
يدل لهذه القاعدة: أن المقصود من الإيجاب إنما هو الحث على طلب الفعل, والحرص على عدم الإخلال به, والوازع الذي عند المأمور إذا كان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات للشاطبي 2/ 180، 181 دار المعرفة.