فهرس الكتاب

الصفحة 18102 من 19081

خلافا للظاهرية الذين اشترطوا في القرينة أن تكون نصا أو إجماعا فقط, ولم يعترفوا بغير ذلك على أنه يصلح صارفا للأمر عن حقيقته [1] .

وقاعدتنا هذه خاصة بإحدى القرائن الحالية الصارفة للأمر عن الإيجاب لغيره, ومؤداها: أنه إذا ورد الأمر من الآمر بشيء معين يتعلق بالمأمور, وكان عند هذا المأمور وازع ودافع طبعي وجبلي يحمله على الإتيان به فلا يحمل ذلك الأمر على الوجوب؛ لأن داعي الطبع أقوى من داعي الشرع. بدلالة: أن الإنسان قد يخالف الشرع بهواه وشهوته, وإن كان هذا متعذرا أو بعيدا فيما كان مما طبع وجبل عليه, وعلى ذلك فقد صرح الأصوليون والفقهاء بأن داعية الطبع تجزئ عن تكليف الشرع [2] , فالوازع والدافع الطبعي قرينة صارفة للأمر عن الإيجاب إلى غيره كالندب أو الإباحة, وذلك لأن المقصود من الإيجاب إنما هو الحث على طلب الفعل, والحرص على عدم الإخلال به, والوازع الذي عند المأمور يكفي عادة في تحصيل ذلك الفعل المطلوب على وجه لا خلل فيه [3] . وللإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - في"الموافقات"كلام نفيس يشير إلى ذلك؛ حيث صرح بأن الضروريات ضربان, أحدهما: ما كان للمكلف فيه حظ عاجل مقصود, كقيام الإنسان بمصالح نفسه وعياله في الاقتيات واتخاذ السكن والمسكن واللباس, وما يلحق بها من المتممات كالبيوع والإجارات والأنكحة, وغيرها من وجوه الاكتساب التي تقوم بها الهياكل الإنسانية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: المحلى لابن حزم الظاهري 8/ 80 دار الفكر؛ والأمر عند الأصوليين للدكتور رافع بن طه العاني ص 161 دار المحبة بدمشق.

[2] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز ابن عبد السلام 2/ 30، و 119؛ الأشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 368؛ تهذيب الفروق لمحمد المكي المالكي 4/ 216.

[3] انظر: التمهيد للإسنوي ص 343؛ مختصر من قواعد العلائي وكلام الإسنوي لابن خطيب الدهشة 2/ 406.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت