إذا جمع المستدل بين الأصل والفرع بأمر مشترك بينهما, فأبدى المعترض وصفا فارقا بين الأصل وبين الفرع, فحقيقة الفرق: قطع الجمع بين الأصل والفرع, أو المنع من الإلحاق بذكر وصف في الفرع أو في الأصل.
ويشترط في هذا أمران, أحدهما: أن يكون بين الأصل والفرع فرق بوجه من الوجوه, وإلا لكان هو هو, ولا بد أن يكون الوصف الفارق قادحا, وثانيهما: أن يكون هذا الفارق قاطعا للجمع بين الأصل والفرع, بأن يكون أخص من الجمع ليقدم عليه, أو مثله ليعارضه ويهدمه [1] .
ويمكن أن نمثل لهذا: بقياس دم الاستحاضة على دم الحيض, في المنع من الصلاة, فإنه لا يصح, بل هو قياس مع الفارق؛ لأن العلة في دم الحيض أنه دم جبلة رتب الشارع عليه المنع من الصلاة, ودم الاستحاضة دم علة, أباح الشارع فيه الصلاة ولم يجعله مانعا [2] . .
يدل لهذه القاعدة المعقول, وذلك لأنه لا يخلو إما أن يرد الفرع إلى الأصل بسبب جامع بينهما, أو بغير سبب, ولا يجوز أن يكون بغير سبب؛ لأنه لا يكون رده إلى أصل بأولى من رده إلى غيره فلا يتعين الأصل, وإن كان بسبب فلا بد أن يكون ذلك السبب متعينا؛ لأن السبب المجهول لا يكون شيئا: فلم يبق إلا أن يكون بسبب معين, ثم ذلك السبب المعين عندنا في الجمع هو العلة, فإن سماه المخالف علة فقد وقع الاتفاق, وإن لم يسمه علة فقد وقع الاتفاق في أنه لا بد من جامع؛ فالنزاع في الاسم مع الاتفاق في المعنى [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: البحر المحيط للزركشي 5/ 302.
[2] انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد 1/ 46؛ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي 1/ 305؛ شرح مختصر خليل للخرشي 2/ 496.
[3] انظر: قواطع الأدلة في الأصول لابن السمعاني 2/ 140، 141.