تفيد القاعدة أن الفقر هو الأصل في الناس؛ لأنهم يخرجون من بطون أمهاتهم لا يملكون
شيئًا [1] , والغنى صفة طارئة, والأصل فيها العدم, فإذا طولب أحد بما لزمه من حقوق وواجبات مالية, فادعى الفقر والإعسار, وأنكره الآخر, وجهل حاله, ولم يتبين أمره, فيكون القول قول مدعي الإعسار, فلا يحبس المدين, ولا تجوز ملازمته, بل يجب إنظاره. وكذلك إذا وقع الشك في استحقاق أحد من جهة الفقر, ولم يترجح شيء في ذلك, فيحكم بفقره إلى أن يثبت دليل اليسار؛ لأن الفقر هو الصفة الأصلية في الإنسان, والأصل فيها الوجود والبقاء حتى يثبت زوالها.
وبهذا يتبين أن هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة:"الأصل في الصفات الأصلية الوجود"؛ فالفقر صفة أصلية في الإنسان, ولا يحكم بخلافه ما لم يقم دليل على ذلك.
وهي أيضا متفرعة عن قاعدة:"الأصل في الأمور العارضة العدم" [2] , لأن الفقر هو عدم الغنى, وبهذا عبر عنها الإمام الشافعي حيث قال:"الأغلب من أمور الناس أنهم غير أغنياء حتى يعرف غناهم" [3] , وعبر عنها غيره من الفقهاء بقوله:"الأصل عدم الغنى".
ومجال العمل بهذه القاعدة إنما هو فيما إذا لم يعرف للرجل مال, فيبقى على أصل الفقر, أما إذا عُرف لأحد مال, ثم ادعى تلفه وأنه فقير أو مسكين, لم يقبل دعوى الفقر منه إلا ببينة بالاتفاق؛ لأنه ثبت غناه, والأصل بقاء ما حصل في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إلا أن هناك حالات استثنائية يخرج فيها الطفل من بطن أمه غنيا، كما في ميراث الحمل أو الوقف والوصية للحمل ونحوه، وهي على خلاف الأصل.
[2] المدخل الفقهي العام للزرقا 2/ 982، الوجيز للبورنو ص 184، نظرية التقعيد الفقهي للروكي ص 161، القواعد الكلية لشبير ص 148.
[3] الأم للشافعي 2/ 78.