والدليل على صحة هذا: أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة, فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط, فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع, ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين.
وأيضًا فإن الخارج إلى الأطراف خارج عن العدل, ولا تقوم به مصلحة الخلق. أما في طرف التشديد فإنه مَهلكة. وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا. لأن المستفتِيَ إذ ذُهِب به مذهبُ العنت والحرج بُغِّض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة, وهو مشاهد. وأما إذا ذُهب به مذهبُ الانحلال, كان مظنةً للمشي مع الهوى والشهوة, والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى, واتباعُ الهوى مهلك ...
... فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادًا للمشي على التوسط, كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضًا" [1] "
1_ قوله تبارك وتعالى {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة- 89] , فيه إحالة على الحد المتوسط من مقدار الطعام الواجب في كفارة الحنث. ذلك أن الحانث قد تكون له أيام يسر وسعة, فيكون مستوى إنفاقه عاليًا. وقد تكون له أيام ضيق وخَصَاصٍ, فيكون مقتِّرا في نفقاته. فإذا أراد أن يكفر عن يمينه, لم يلزمه المستوى الأعلى, ولم يجزئه المستوى الأدنى. وإنما يعتمد الحد المتوسط لهما معًا.
2_ كانت السمة العامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عباداته وخطبه ومواعظه, هي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات للشاطبي 4/ 258 - 259.