عن التنطع في الدين، وقد هلك المتنطعون (1) . وأنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه قيام الليل، وصيام النهار، واجتناب النساء، وقال له: «أرغبت عن ستي؟» فقال: بل سنتك أبغي، قال: «فإني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (2) . وقد نهى الله عثمان بن مظعون وأصحابه عما عزموا عليه من سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء (3) ، وكانوا قد حرموا على أنفسهم الفطر والنوم ظنا أنه قربة إلى ربهم، فنهاهم عن ذلك لأنه غلو في الدين واعتداء عما شرع، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة -] . والتقدير: ولا تحرموا تناول ما أحل الله لكم من الأكل والشرب والنوم والنكاح ولا تعتدوا بالاختصاء، إن الله لا يحب المختصين، أو لا يحب المعتدين بالاختصاء و غيره، وقال بعض المفسرين: ولا تعتدوا بما التزمتموه: أي ولا تعتدوا الاقتصاد إلى السرف. وإنما عزموا على ذلك تحببا إلى الله عز وجل، فأخبرهم أنه لا يحب من اعتدى حدوده وما رسمه من الاقتصاد في أمور الدين. (4)
3 -ومن استدلالات الشاطبي على هذه القاعدة، ما جاء في قوله: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه مسلم 4/ 2055 (2670) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ: ملك المتنطعونه والمتنطعون كما يقول النووي رحمه الله في شرح مسلم /16: المتعمقون الغالون المجاورون الحدود في أقوالهم وأفعالهم
أما قصة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في نهيه عن مواظبة قيام الليل و صيام النهار ... فرواها البخاري 39/ (1975) ، / (6134) ، ومسلم / ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأما قوله صلى الله عليه وسلم «أرغبت عن سنتي. فهذا كان مع عثمان بن مظعون رضي الله عنه، والحديث رواه أحمد 334/ 43 - 335 (26308) ، وأبو داود / (1364) ، والدارمي 58 / (2175) من حديث عائشة رضي الله عنها.
رواه البخاري 4 / (5073) (5074) ، ومسلم / - (6) ء من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، بلفظ: ورد رسول الله و على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصيناه
(4) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام . 340 - 341