تقدَّم في شرح قاعدة"الأصل في الأحكام المعقولية لا التعبد", أن بعض أحكام الشريعة قد تخفى حِكَمها الجزئية ومصالحها التفصيلية, وهي المصطلح عليها بالأحكام التعبدية, وأنها تعتبر استثناء من الأصل العام الذي مضى عليه الشارع في تشريعه من ربط الأحكام بأوصاف مناسبة معقولة المعنى.
والقاعدة محل البحث تبيِّن أن مجال العبادات في الشريعة الإسلامية هو الذي يغلب على أحكامه جانب التعبد وعدم معقولية المعاني.
والمقصود بالعبادات في هذه القاعدة: الأفعال ذات الهيئات المخصوصة التي تفعل بقصد التقرب إلى الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحج, ومفاد القاعدة: أن الأصل في جزئيات هذه الأفعال وفي أركانها وشروطها وجميع تفصيلاتها الامتثال بها من قبل المكلفين على وفق صورتها وهيئتها وشكلها الذي بيِّنته الشريعة دون التفات إلى حِكَمها ومعانيها ومصالحها الجزئية الخفية عن مداركنا؛ لأن الغالب فيها التعبد وعدم إناطتها بمصالح جزئية معقولة, وهذا بخلاف معانيها الإجمالية العامة التي يمكن تعقلها وفهمها وإدراكها, وفق ما تم بيانه في القاعدة ذات الصلة:"العبادات وضعت لمصالح العباد على الجملة, وإن لم يعلم ذلك على التفصيل"
و قد اعتنى الشاطبي بهذه القاعدة واعتبرها أصلًا من الأصول الكلية التي ينبغي على المجتهد أن يلتزمها في تعامله مع قضايا العبادات المختلفة فلا يجعل للمعاني المصلحية تأثيرًا في تغيير صورة العبادة وهيئتها وكيفيتها التي وردت عن الشارع, كما لا يجعل لها أثرًا في الاجتهاد والتفريع والقياس عليها إلا ما ثبت إناطته بمعنى معقول ومقصود للشارع وهي حالات قليلة (معدودة) , وأنه إذا حصل إشكال في كون الحكم العبادي معللا أو غير معلل فإنه ينبغي الرجوع إلى أن الأصل في العبادات التوقف دون الالتفات إلى المعاني, ووضح هذا المعنى بقوله:"أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل - أي الأحكام العبادية - فإن قصد الشارع"