فهرس الكتاب

الصفحة 1358 من 19081

الطرف الآخر. فطرف التشديد وعامةُ ما يكون في التخويف والترهيب والزجر, يؤتَى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف وعامةُ ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص, يؤتي به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا ومسلك الاعتدال واضحًا, وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه" [1] "

1_ النص الشرعي الجامع في تأسيس هذه القاعدة وتعميم حكمها, هو قوله سبحانه {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيدًا} [البقرة-143] . فهذه الآية الكريمة جامعة صريحة في وصف الإسلام وأمة الإسلام بالوسطية العامة, فصار التوسط والعدل والاعتدال منهجًا ومسلكًا إسلاميًّا, معتمدًا في كل المجالات.

2_ أورد ابن عبد السلام عددًا من النصوص الشرعية المتضمنة لهذه القاعدة, ننقلها عنه, مع ما لَهُ من توضيحات عليها, فيما يلي:

..."قال الله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء-29] وقال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} [الفرقان-67] . وقال حذيفة: الحسنة بين السيئتين , ومعناه أن التقصير سيئة, والإسراف سيئة, والحسنة ما توسط بين الإسراف والتقصير, وخير الأمور أوسطها. فلا يكلف الإنسان نفسه من الخيور والطاعات إلا ما يطيق المداومة عليه ولا يؤدي إلى الملالة والسآمة. وقال عليه السلام في قيام الليل: {لِيُصَلِّ أحدكم نشاطه , فإذا وجد كسلًا أو فتورًا فليقعد, أو قال: فليرقد} [2] ."

ومَن تكلف من العبادة ما لا يطيقه, فقد تسبب إلى تبغيض عبادة الله إليه, ومن قصر عما يطيقه, فقد ضيع حظه مما ندبه الله إليه وحثه عليه. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموافقات 2/ 167 - 168.

[2] رواه البخاري 2/ 53 - 54 (1150) ؛ ومسلم 1/ 541 - 542 (784) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت