والزجر, وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكامِ من المفاسد حثًا على اجتناب المفاسد, وما في بعض الأحكام من المصالح حثًا على إتيان المصالح [1] .
1 -قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] , والقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة, وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة الزنا, فدل النهي في مطلع الآية, والوصف بالفاحشة الدال على فعلة بالغة الحد الأقصى في القبح, وبتأكيد ذلك بحرف التوكيد, على قصد الشارع وعنايته بتحريم الزنا, بل تحريم مجرد القرب منه؛ لأن فيه إضاعة النسب وتعريض النسل للإهمال, كما أنه خلل عظيم في المجتمع, و ينشأ عنه الهرج والتقاتل, فالزنا مئنة لإضاعة الأنساب ومظنة للتقاتل فكان جديرًا بالتحريم. ومن تأمل ونظر جزم بما يشتمل عليه الزنا من المفاسد, وتأكد أن الشارع إنما نهى عنه لما فيه من الأضرار والمفاسد.
2 -قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 34] , فالنهي الابتدائي التصريحي عن الاقتراب من مال اليتيم إذا كان بقصد أكله وتبديده, دلَّ على قصد الشارع الحفاظ على مال اليتيم, كما دل على ذلك استثناء الحالة المقابلة إذا كان الاقتراب منه بقصد صلاحه وتثميره, وذلك بحفظ أصوله, وتثمير فروعه؛ فقد ثبت أن النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة في حفظ النظام. ويقاس عليه كل ما فيه مصلحة للأيتام, من الوقف والحبس لصالحهم, واستثمار أموالهم في بعض المشروعات, والإنفاق من عائدها على تربيتهم وتعليمهم واحتياجاتهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام في إصلاح الأنام 1/ 14