العذر بالنسيان فيما ليس له هيئة مذكرة دون ما له هيئة مذكرة فمجاله عندهم ضيق جدا, يقتصر على ما يُفَرَّق فيه بين القليل والكثير في ارتكاب المحظورات في بعض العبادات, فالأكل الكثير ناسيا يبطل الصلاة؛ لأن للصلاة هيئة تذكر المصلي أنه فيها, أما القليل فلا يفسد, بخلاف الصوم فإن الأكل والشرب ناسيا في أثنائه يكون عذرا, دون فرق بين القليل والكثير؛ لأن الصوم ليست له هيئة مذكرة [1] . ومنهم من أجرى القاعدة على إطلاقها دون تقيد بالتفريق بين القليل والكثير؛ كما في جِماع المحرم ناسيا, فذهب بعضهم إلى فساد النسك به, وفرق بينه وبين الصيام فقال:"بأن المحرم له هيئة يتذكر بها الإحرام, فإذا نسي كان مقصرا بخلاف الصائم" [2] .
1 -ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من نسي وهو صائم, فأكل أو شرب, فليتم صومه. فإنما أطعمه الله وسقاه" [3] ؛ فالنص ورد في إعذار الناسي في الصوم, وهو حال لا مذكر له فيه, فلا يعد نسيانه تقصيرا, أما وقوع النسيان مع وجود المذكر؛ كما في حال الصلاة, فلا يلحق به [4] ؛"لوجود هيئة مذكرة له تمنعه من النسيان, فكان وقوعه منه لغفلته وتقصيره, فلا يمكن إلحاقه بالمنصوص عليه" [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 191، أسنى المطالب 1/ 417، تحفة المحتاج للهيتمي 2/ 155، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني مع حاشية البجيرمي 2/ 83.
[2] نهاية المحتاج للرملي 3/ 172، مغني المحتاج للشربيني 2/ 159.
[3] رواه البخاري 3/ 31 (1933) ؛ 8/ 136 (6669) ؛ ومسلم واللفظ له 2/ 809 (1155) .
[4] انظر: التقرير والتحبير لابن أمير حاج 1/ 218، تيسير التحرير لأمير بادشاه 1/ 285.
[5] غمز عيون البصائر للحموي 3/ 294.