تقدم شرح وبيان المراد بكل من التابع والمتبوع عند الكلام على قاعدة"التابع تابع", وقاعدتنا هذه إحدى القواعد المتفرعة عنها, والتي توضح جانبًا من جوانب تبعية التابع لمتبوعه, وهو أن التابع للشيء متأخر عنه وتالٍ له, ولا يجوز له أن يكون متقدّمًا عليه؛ إذ في ذلك مخالفة لكونه تابعًا؛ لأن التقدم حق المتبوع, والتأخر هو حق التابع, وفي تقدم التابع وتأخر المتبوع تبديل لحقيقة كل واحد منهما, فيكون التابع متبوعًا والمتبوع تابعًا وهذا مما لا يجوز, ولذلك كانت القاعدة فرعًا عن القاعدة التي دلت على هذا المعنى الأخير:"التابع لا يستتبع المتبوع", وبهذا يتبين أن المقصود بنفي التقدم في نص القاعدة إنما هو نفي جوازه لا نفي وقوعه, وإلا فمن الوارد أن يتقدم التابع على المتبوع في الواقع, فإذا وقع ذلك فإن الحكم لا يترتب عليه.
والتقدم المذكور في القاعدة يشمل التقدم المكاني والزماني وفي الرتبة؛ فالمأموم في الصلاة مثلًا تابع والإمام متبوع, فلا يجوز للمأموم أن يقف متقدمًا على إمامه في موقف الصلاة فيكونَ متقدمًا عليه مكانًا, كما لا يجوز له أن يحرم بالصلاة أو أن يركع ويسجد قبله فيكونَ متقدمًا عليه زمانًا, وقد نص البيضاوي , رحمه الله, على التقدم المكاني حين قال:"من شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه" [1]
والتقدم في أكثر صور القاعدة يقصد به تقدم المتبوع على تابعه حسّا, كتقدمه عليه في المكان أو الذكر أو غير ذلك مما يظهر فيه التقدم بإحدى الحواس, وهذا هو ما يشعر به صنيع أكثر الفقهاء عند تعرضهم لهذه القاعدة, لكن نص القاعدة يحتمل أن يقصد بالتقدم فيها التقدم الحسي والتقدم المعنوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 2/ 178.