ملَكة العقل والفكر. وهي الصفة التي خولت الإنسان القابلية والقدرة على التعلم والتعليم, والتفكير والتدبير. وعن ذلك نشأ وتحصل للإنسان ما لا يعد ولا يحصى من المعارف والعلوم والخبرات الإنسانية المكتسبة. وبفضل هذه النعمة, يزداد الجنس البشري - على مر العصور- تطورا وتفوقا على غيره من المخلوقات التي تراوح مكانها ومكانتها الأولى.
ومن أجلِّ صور التكريم والرعاية للجنس البشري, إرسالُ الرسل وإنزال الكتب لهدايته وتزكيته, وإنقاذه وإسعاده. {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة 8] - {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه - 122, 123]
وبفضل اجتماع نعمتَيِ الوحي والعقل, تمكن الإنسان في هذه الحياة الدنيا من نيل مكاسب عظيمة ودرجات عالية من التنعم والتحضر والرقي, {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا} [الإسراء - 21] .
من المعلوم أن كل ما هو نفيس وعزيز وجليل القدر, فهو بحاجة إلى حفظ ورعاية وحماية وصيانة, بما يتناسب مع نفاسته وجلالة قدره. والإنسان-كما تقدم- هو مستودع النفائس والكنوز المادية والمعنوية, وهو المستأمن عليها, من خلقته وفطرته وعقله, إلى أمانة تكليفه واستخلافه واستعماره الأرضَ. فلا يليق به أن يُترك سدى أو يبقى هملا, فتذهبَ نفاسته, وتضيعَ كرامته ووظيفته ...
ومرجع الإنسان وسنده في رعاية هذه الأمانة وحملِها على وجهها, هو اتباعه لما وهبه الله من هداية الشرع ونور العقل. فهما نعمتان متكاملتان متلازمتان, لا تغني إحداهما عن الأخرى, ولا تستغني إحداهما عن الأخرى. قال الراغب الأصفهاني:"اعلم أن العقل لن يهتديَ إلا بالشرع, والشرع لا يتبين إلا بالعقل."