المطلب الثاني
مدى إمكان استيعاب الأحكام الجزئية بالضوابط
... وبصدد الحديث عن مدى أهمية الضبط في إجراء الأحكام والمسائل على نمط محكم متسق ينبغي التنبيه على أن هناك حالات ومسائل كثيرة لم يأت الشارع فيها بضبط محدد رعاية لمصالح الناس ورغباتهم. وبناء على ذلك لا يتصور أن تندرج جميع المسائل في سلك الضوابط, وقد نبه العلماء على ذلك في شتى المناسبات.
ومما يؤكد هذا المعنى أننا نلحظ في باب النكاح تقرير وجوب المهر ولكن"لم يضبطه النبي صلى الله عليه وسلم بحد لا يزيد ولا ينقص, إذ العادات في إظهار الاهتمام مختلفة, والرغبات لها مراتب شتى, ولهم في المشاحة طبقات, فلا يمكن تحديده عليهم كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص". [1]
وكذلك الوليمة حث النبي صلى الله عليها, ولكن لم يضبطها بحد. [2]
قال الإمام ابن عابدين بصدد بعض الصور التي يسقط فيها الصداق كله أو بعضه:"فالحق أن لا يجعل لهذه المسألة ضابط, بل يحكم في كل فرد بما أفاده الدليل". [3]
وقال الإمام النووي في"المجموع", في معرض بيان اختلاف الفقهاء في قراءة القرآن بالنسبة للحائض ومدى أثر النسيان له:"ليس لما يخاف نسيانه ضابط". [4]
وقال العلامة ابن القيم في معرض كلامه حول مشروعية الحدود:"تغليظ الزجر لا ضابط له, وقد حصلت مصلحة الزجر بالحدِّ, وكذلك سائر الجرائم"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المصدر نفسه 2/ 977.
[2] انظر: المصدر نفسه 2/ 980.
[3] حاشية ابن عابدين 3/ 78.
[4] المجموع 2/ 256.