فالعقل كالأُس والشرع كالبناء. ولن يغنيَ أس ما لم يكن بناء, ولن يثبت بناء ما لم يكن أس. وأيضا فالعقل كالبصر والشرع كالشعاع, ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج, ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر ... فالشرع عقل من خارج [1] , والعقل شرع من داخل, وهما متعاضدان بل متحدان" [2] "
فهذا يعني أن التكريم الذي حظي به الإنسان من ربه, إذا لم يُتبعه بالصيانة والرعاية, فهو عرضة لأن يضيع منه أو ينقلب إلى ضده, فيَهْوِيَ الإنسان بذلك من أعلى عليين إلى أسفل سافلين. {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين - 4 - 6] .
وأسوأ دركات الانحدار والانحطاط والامتهان, تضييع الإنسان لنعمة العقل وهداية الشرع. قال الراغب:"الإنسان إنما يصير إنسانا بالعقل, ولو توهمنا [3] العقل عنه مرتفعا لخرج عن كونه إنسانا, ولم يكن- إذا تخطيتَ الشبح الماثل- إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة. والعقل لا يكون عقلا إلا بعد اهتدائه بالشرع كما تقدم, ولذلك نفى الله العقل عن الكفار لما تعَرَّوْا عن الاهتداء بالشرع في غير موضع من كتابه" [4]
فأما كون التكريم أصلا فطريا في خِلقة آدم وذريته, وكونه جزءا من تكوينهم وطبيعتهم ومزاياهم - {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [الحجرات - 8] - فهذا ما تقدم تفصيله وبيانه في الفقرات السابقة.
وأما كونه مقصدا شرعيا فأساسه ما تقرر في قاعدة أخرى سيأتي بيانها قريبا,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أي من خارج الإنسان.
[2] تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب الأصفهاني ص 140 - 141.
[3] أي لو تخيلنا وتصورنا.
[4] تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين ص 149.