ومعناه أن ليس لأحد شيء يستحقه ويلحقه ويعول عليه, إلا ما كان من سعيه وجهده وكسبه. فليس لأحد أن ينتظر ثوابا أو ثمرة بدون عمل, ولا أن يتكل على أعمالِ غيره, ويطمع في أن تحول ثمرتها إليه. قال الفخر الرازي:"وقوله تعالى {وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى} [النجم-39] , تتمةُ بيان أحوال المكلف, فإنه لما بَيَّنَ له أن سيئته لا يتحملها عنه أحد, بين له أن حسنة الغير لا تجدي نفعًا, ومن لم يعمل صالحًا لا ينال خيرًا ... , ويظهر أن المسيء لا يجد بسبب حسنة الغير ثوابًا, ولا يتحملُ عنه أحد عقابًا." [1] , وكما جاء في الحديث {ومَن بطَّأَ به عَملُهُ لم يُسْرِعْ بِهِ نَسبُهُ} [2]
وهذه القاعدة تنطبق على الأعمال الأخروية والأعمال الدنيوية, على حد سواء, لأنها من قواعد العدل, وقواعد العدل جارية في الدنيا والآخرة, لا تتبدل ولا تتخلف.
على أن هذه القاعدة, المسلَّمةَ في أصلها وعمومها, تَرِدُ عندها بعض الإشكالات التطبيقية, سواء في شقها الأول أو في شقها الثاني. وقد تولى عدد من العلماء مناقشة هذه الاستشكالات وبيان الوجه المعتمد فيها.
ففيما يخص شقها الأول, نجد - في باب الجنايات - من يستشكلون قضية فرض الدية على العاقلة؛ فقد رأى بعض الفقهاء أن فرض الدية على أقارب الجاني, فيه تحميلهم وزرًا لم يرتكبوه ولا يد لهم فيه. فبعضهم اعتبره استثناء من القاعدة وتخصيصا لها. وبعضهم رفض تحميل العاقلة الديةَ, تمسكا بفهمه لمقتضى القاعدة. وبعضهم اعتبر تحميل العاقلةِ الديةَ غيرَ داخل في مقتضى القاعدة, بل هو من باب آخر من أبواب التشريع, له حكمته ومنطقه الخاص, فلا تعارض أصلا بينه وبين القاعدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] تفسير الرازي 14/ 446.
[2] جزء من حديث رواه مسلم 4/ 2074 (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.