كما أن من صور تقرير الظلم الرضا به والفرح بوقوعه ولو من غير قادر على إزالته؛ فإن للقلب عملا كما للجوارح, فإذا رضي الإنسان بظلمٍ ما كان هذا منه تقريرا له ولابد؛ لأنه مأمور بإنكار هذا المنكر بقلبه عند العجز عن إنكاره باليد أو اللسان كما هو معلوم. والشرع إذ يحرّم وسائل تقرير الظلم وتثبيته فإنه بذلك يسعى إلى تحجيم الظلم وحصره والتنفير منه ومن فاعله, وإلى منع الظالم من الانتفاع بثمرة ظلمه بقدر المستطاع, وكل هذه وسائل لمحاربة الظلم بعد وقوعه, كما أن هناك وسائل لمحاربته قبل وقوعه حتى لا يقع.
والقاعدة متفرعة عن قاعدة"التقرير على المعصية معصية"لأن الظلم معصية من المعاصي, وكذلك هي متفرعة عن قاعدة"ليس لعرق ظالم حق"فإن تحريم تقرير الظلم ناشئ عن فقدان الظالم للحق, وقد تفرعت عنها قاعدة:"الظلم لا يجوز إمضاؤه بل يرد ويفسخ"وضابط:"لا يجوز إعطاء الأمان على التقرير على الظلم"ففيهما معنى القاعدة لكن في مجال أضيق, وقد تكاملت معها بعض القواعد كقاعدة:"الميسور لا يسقط بالمعسور"وقاعدة: الكف عن الظلم واجب"."
ومجال القاعدة واسع جدا لأنه شامل لكل ما يتصور فيه الظلم, وهي من القواعد التي لا يعلم لها مخالف , لأن موضوعها أمر مقطوع به في الشريعة
1 -قول الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]
فإن الآية دالة على حرمة إقرار الظلم؛ لأن في إقرار الظلم وتثبيته بقول أو تصرف تعاونا مع الظالم في عدوانه, وهو ما نهت عنه الآية الكريمة.