المبحث الثاني
طور النمو والتدوين
... وأما بداية القواعد الفقهية باعتبارها علما مستقلا بحيث ينال حظه من التصنيف والتهذيب, فقد تأخرت عن العصور المبكرة إلى عصر الفقهاء في إبان القرن الرابع الهجري, وما بعده من القرون.
... وفيما يبدو أن سعة نطاق الفقه وغزارة مسائله المتمثلة في الثروة الفقهية العظيمة التي نشأت من تدوينه مع ذكر أدلته, وخلاف المذاهب وترجيح الراجح منها - وهو الذي عرف أخيرا بالموازنة أو المقارنة بين المذاهب - أدى كل ذلك إلى مزيد من الاعتناء بالتنظير الفقهي وتعليل الأحكام على أساس ما استقر من قواعد الأئمة التي استند إليها العلماء في التخريج.
وعن طريق هذا التخريج للمسائل على أصول المجتهدين نما الفقه واتسع نطاقه, واتسقت قواعده.
... ولكي نقف على إسهامات الفقهاء في مجال القواعد التي نسجت عليها خيوط التخريج في الغالب, وصارت مدارا وعمدة في القضايا المستجدة المعبرة عنها بالنوازل بجانب الإثبات والترجيح بناء عليها, لا بد من إبراز أمثلة لها لدى أئمة المذاهب في القرون المتتابعة.
وفاتحة الحديث هنا مرتبطة بالقرن الرابع الهجري. وقد سعينا إلى إشباع الكلام في هذه المرحلة بضرب أمثلة متنوعة, تارة مقرونة بالتعليق وتارة أخرى بسردها لوضوحها. والهدف من الاستكثار في عرض النماذج إعطاء رؤية شاملة عن