المقصود الأول من إبرام عقود المعاوضات هو تداول ما يحتاج إليه الناس في معاشهم وما به قوام حياتهم على وجه لا نزاع فيه ولا مشاحنة أي بالتراضي والاختيار, وتشمل هذه العقود تبادل الأعيان والمنافع والحقوق من بيع وإجارة واستصناع وغير ذلك [1] .
لذلك أوجب الشارع بناءَ عقود المعاوضات على أوصاف محدَّدة بيِّنة, ووضع للبدلين شروطا لابد من توفرها حتى تجري هذه العقود على الوجه الصحيح, ويُعلم صحيحها من فاسدها وجائزها من محظورها, وجميع هذه الأوصاف والشروط إنما مآلها في نهاية الأمر إلى تمكين طرفي العقد من التسليم والتسلم للعوضين وإلا عري العقد عن المقصود وفات بذلك الغرض المطلوب [2] , وبالتالي لابد أن يكون العاقدان قادرين على تسليم بدليهما حتى يصح العقد. وإقدام العاقد العاقل على إبرام عقد المعاوضة ظاهره قدرته على التسليم والتسلم, وهذا ما دلت عليه القاعدة: (ظاهر دخول العاقد في العقد إقرارٌ بكونه قادرًا على تسليم بدله) .
فاشتراط الفقهاء العلم بالثمن والمثمن في عقود المعاوضات - وهو داخل عند الفقهاء في شرط انتفاء الجهالة - وبيانهم درجات الجهالة وما يؤثر منها وما يغتفر؛ إنما القصد منه التأكيد على شرط القدرة على التسليم؛ إذ إن المعقود عليه الذي لا يتصور فيه القدرة على التسليم لا يصح ولا يصلح أن يكون محلا للتعاقد, يقول الكاساني:"وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فضروب؛ منها: أن يكون المعقود عليه معلومًا علمًا يمنع من المنازعة, فإن كان مجهولا؛ ينظر"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر شرح ميارة الفاسي على التحفة 2/ 133، بلغة السالك = حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير 3/ 4.
[2] انظر مجمع الأنهر لشيخي زاده 3/ 12.