الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة, يعقله من عقله ويخفى على من خفي عليه ..." [1] ."
... وأما الاختلاف بين المعتزلة الذين يقولون برعاية المصالح وجوبا, والأشاعرة الذين يقولون برعايتها تفضلا منه سبحانه, فهو خلاف نظري, لا أثر له في المسألة ما داموا متفقين على أن شرائع الله تعالى متضمنة رعاية مصالح العباد, في المعاش والمعاد.
... وأما الخلاف الحقيقي والفعلي في هذه المسألة وهذه القاعدة, فهو خلاف الظاهرية. وخير معبر عن موقفهم هو ابن حزم , الذي عقد بابا خاصا لإبطال القياس والتعليل في الشريعة, قال في عنوانه:"الباب التاسع والثلاثون: في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين", وحكى فيه موقف الظاهرية بقوله"وقال أبو سليمان وجميعُ أصحابه رضي الله عنهم: لا يفعل الله شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا بوجه من الوجوه". ثم قال رحمه الله:"وهذا هو ديننا الذي ندين به, وندعو عباد الله تعالى إليه, ونقطع على أنه الحق عند الله تعالى." [2]
هذه القاعدة - كما رأينا - يسري معناها على الشريعة كلها, جملة وتفصيلا. ولذلك فإن أدلتها لا تنحصر كثرة. بل معظم نصوص الشريعة وأحكامها ناطقة بها ودالة على صحتها. فلا بد من الاقتصار على نماذج قليلة منها, وخاصة مما ذكره العلماء في سياقها.
أولا: أدلة الفخر الرازي.
من أوائل من اهتموا بسرد أصناف الأدلة العقلية والنقلية على هذه القاعدة الفخر الرازي , حيث قال رحمه الله:"الدليل عليها وجوه:"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المرجع نفسه 2/ 86.
[2] الإحكام لابن حزم 8/ 77.