لكن قيام الدليل مقام الصريح ليس على إطلاقه, بل هو مقيد بما إذا لم يكن هناك صريح يعارضه, وإلا فالمعتبر هو الصريح دون الدليل, كما نصت على ذلك القاعدة:"لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح"؛ لأن التصريح أقوى من الدلالة, والدلالة أضعف, والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي.
1 -قوله تعالى: {ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أَنْفُسِكُمْ أن تأكُلوا من بُيوتكم أو بُيوتِ آبائكم} إلى قوله تعالى: {أو صَدِيقِكم} [النور: 61] . ووجه الدلالة من الآية أنها أباحت الأكل مما جرت العادة بأكله من بيت الأقرباء والأصدقاء من غير إذنهم؛ لأنهم يأذنون في ذلك ويرضون به عادةً, فيكون الرضا المعتاد من ذلك كالمصرح به [1] .
2 -قوله صلى الله عليه وسلم لـ بريرة - حين عتقت وخيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين البقاء مع زوجها, وكان مولى, وبين فراقها إياه:"إن قَرِبكِ [يعني زوجها,] فلا خيار لك", وفي بعض الروايات:"إن وطئك" [2] .
ووجه الدلالة من الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل تمكينها من الوطء دليلا على رضاها وبطلان خيارها؛ لأن تمكينها من الوطء, والمطالبة بالمهر والنفقة, كل ذلك من خصائص العقد الصحيح, فوجوده من المرأة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: أحكام القرآن للجصاص 5/ 198. وجواز الأكل من طعام هؤلاء من غير استئذانهم مقيد بما إذا كان الطعام مبذولًا، أو كان يعلم أن نفس صاحبه تطيب به، وإلا فلا يحل، والله أعلم. انظر: تفسير القرطبي 12/ 15 - 16؛ شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 240
[2] رواه أبو داود 3/ 91 (2229) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وأما قوله r"إن وطئك"رواه الطحاوي في مشكل الآثار 11/ 200 - 201 (4385) ؛ والدارقطني 3/ 294 (185) ؛ والبيهقي في الكبرى 7/ 225 كلهم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.