هذا, وفي سياق شرح هذه القاعدة وبيانها يجدر التنبيه إلى أن العز بن عبد السلام قد ذهب إلى أن مجال إعمال هذه القاعدة وتطبيقها هو في كل الحالات التي يتحقق فيها التساوي والتكافؤ بين الجهتين المتقابلتين, سواء أكانت من قبيل المصالح المتعارضة فيما بينها, أم كانت من المفاسد المتعارضة فيما بينها. أم كانت من قبيل المصالح والمفاسد المتعارضة فيما بينها, وقد تقدمت عباراته في ذلك.
بينما ذهب كثير من العلماء إلى أنه في حالة التعارض بين المصلحة من جهة وبين المفسدة من جهة أخرى وقد تحقق التساوي بين الجهتين, فإنه يغلب جانب المفسدة على جانب المصلحة واعتبروها من الحالات التي تطبق فيها القاعدة المقررة"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"وذلك أخذا بمبدأ الاحتياط في الدين. هذا علاوة على أن المصلحة لن تكون لها قيمة ولا وزن إذا قابلتها مفسدة تساويها قال ابن السبكي:""لأن العقلاء يعدون فعل ما فيه مفسدة مساوية للمصلحة عبثًا وسفهًا, فإن من سلك مسلكًا يفوِّت درهمًا ويحصِّل آخر مثله وأقل منه عُدَّ عابثًا سفيهًا" [1] "
إن الحكم الذي تفيده هذه القاعدة يعتبر أمرًا بدهيًا يمليه العقل والمنطق حيث إنه إذا تعذرت عملية الترجيح بناء على المعايير الموضوعية كنوع المصلحة أو أثرها أو رتبتها أو حكمها فإنه لم يبق من سبيل إلا اللجوء إلى الترجيح عن طريق التخير أو القرعة, أو التوقف إلى حين ظهور ما يقتضي ترجيح إحدى الجهتين المتعارضتين على الأخرى.
على أنه يمكن أن يستأنس في ذلك ببعض الأدلة الشرعية النقلية التي أرشدت إلى أن العمل بالتخيير أو بالقرعة هو مما قرره واعتبره الشارع في بعض المواطن والأحكام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الإبهاج للسبكي وولده 3/ 66