المدين وأقر بأنه لم يقضه, فالبينة هنا وإن كانت قوية لكن إقرار المدين على نفسه أقوى منها, فيكون أحق بالحكم منها, وبهذا يتبين أن القاعدة واحدة من قواعد الترجيح.
ووقوع التعارض بين الأقوى وما دونه عند الفقهاء - حسب القاعدة - يكون في مورد الحكم لا في دليله, وأما وقوعه في دليله فالكلام عنه مبسوط في أصول الفقه [1] , ومن ثم فالقاعدة من القواعد المشتركة بين الفقه والأصول؛ فهي فقهية باعتبار تقديم الأقوى على ما دونه فيما له صلة بمتعلق الحكم, أصولية باعتبار ترجيح الأقوى على ما دونه في دليل الحكم [2] .
ولتقديم القوي على الضعيف مظاهر عديدة في القواعد الفقهية إضافة إلى الفروع والأحكام الجزئية, ومن مظاهر ذلك وجوب الأخذ بالظاهر, وكون الحكم للتابع دون المتبوع, وكونه للغالب دون ما سواه, وتقديم المباشر على المتسبب, وتقديم المحقق على المتوهم, إلى غير ذلك من قواعد, مما يدل على أهمية القاعدة التي بين أيدينا واتساع مجالها.
ولا خلاف بين العلماء في أصل هذه القاعدة - ويأتي ذكر من نقل الإجماع عليها - خصوصا والعقل يشهد لها؛ إذ هي من بدهياته [3] , ومجال تطبيقها يشمل كل ما يصلح أن تقع فيه منازعة على أمر من أمور العبادات والعادات والمعاملات.
1 -ما ورد في الحديث من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للحضرمي لما تحاكم إليه مع الكندي:"ألك بينة؟"قال: لا, قال:"لك يمينه ليس لك منه إلا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: نهاية الوصول لصفي الدين الهندي 9/ 3718، منهاج الوصول لأحمد المرتضى 1/ 339 وغيرها من كتب الأصول.
[2] انظر: المحصول للرازي 3/ 103، 6/ 40، البحر المحيط للزركشي 6/ 59، نفائس الأصول للقرافي 4/ 548 وغيرها من كتب الأصول.
[3] انظر: البحر المحيط للزركشي 4/ 79، أصول السرخسي، للسرخسي 2/ 12، إرشاد الفحول للشوكاني 1/ 186.