وأشار أطفيش إلى وجود الخلاف عند الإباضية في إعمال هذه القاعدة حيث قال - رحمه الله تعالى:"بيع البراءة من باب إسقاط الحق قبل وجوبه, وذلك مختلف فيه, كإجازة الوصية لأكثر من الثلث قبل الموت" [1] لكن يبدو أن الراجح عند الإباضية موافقة الجمهور , حيث قال في موضع آخر إنه لا يجوز لأحد أن يحلل لغيره غيبته, ولو فعل لا تحل له الغيبة, كما أن له أن يخاصم من اغتابه,"ولا تسقط المظلمة؛ لأنه عفو قبل الوجوب إلا أنه وعد له العزم على الوفاء بأن لا يخاصم, فإن رجع وخاصم كان القياس لسائر الحقوق أن له ذلك, بل صرح الفقهاء بأن من أباح له القذف لم يسقط حقه من حد القاذف" [2] .
ما سبق كله فيما إذا تقدم الإسقاط على وجوبه وثبوته, أما إسقاط الحق قبل ثبوته وبعد ثبوت سببه, كالإبراء من الأجرة قبل مضي مدة الإجارة مثلًًا, فقد قال الجمهور بلزومه ونفاذه خلافًا لما هو الأظهر عند الشافعية من عدم الإسقاط, و إن جرى سبب وجوبه [3] .
1 -حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا:"لا طلاق فيما لا تملكون, ولا عَتاق فيما لا تملكون" [4] .
هذا الحديث استدل به الفقهاء على عدم صحة الإبراء من الدين قبل وجوبه؛ لأن الإبراء في معنى الطلاق و العتاق [5]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح النيل 8/ 489.
[2] المرجع السابق 16/ 424.
[3] انظر: الموسوعة الفقهية 4/ 251. وراجع أيضًا قاعدة"إسقاط الحق بعد وجود سبب الوجوب جائز".
[4] رواه أحمد 11/ 525 (1181) ومواضع أخر، واللفظ له؛ وأبو داود 2/ 258 (2190) ، والترمذي 3/ 478 (1181) .
[5] أفاده في الفقه الإسلامي وأدلته 5/ 335.